Skip to content

أحمد خيري العمري

الموقع الرسمي للكاتب أحمد خيري العمري

  • الرئيسية
  • أماكن شراء الكتب
  • السيرة الذاتية
  • عن قراءة الكتب بصيغةpdf
  • تواصل معي
  • Toggle search form

عن نظرية المؤامرة في علم الحديث

Posted on 11 يناير، 202611 يناير، 2026 By admin

التفسير المؤامراتي للتاريخ يملك شعبية واسعة عند الجمهور، لأنه ببساطة أسهل وأقل كلفة على العقل البشري من التعامل مع التفسيرات المركبة المعقدة لما حدث عبر التاريخ.

أغلب ما حصل في التاريخ من أحداث كبرى، خاصة الكارثي منها، سيكون أسهل على الفهم وأقل وطأة لو أُرجع إلى المؤامرة من عدو باطن أو معلن، بدلًا من الحقيقة المعقدة المتشعبة عميقة الجذور لهذه الكوارث، على سبيل المثال: سقوط الدولة العباسية على يد المغول سيكون أسهل على الفهم وأكثر راحة لو قُدم على أنه كان بسبب خيانة وزير الخليفة (الذي ينتمي لطائفة أخرى) بينما الحقيقة أن هذا الوزير لم يفعل ما فعل إلا وجيوش المغول على أسوار بغداد حرفيًا، وأن الكثير من حلفاء المغول من الأمراء خارج بغداد كانوا ينتمون إلى نفس طائفة الأكثرية.

كذلك الأمر بالنسبة لسقوط الدولة العثمانية، سنن التاريخ ودخول الأمم في عصر شيخوختها الحتمي أمر يصعب تقبله على الجماهير العريضة، لذا من الأفضل اختزال كل شيء إلى موقف بطولي للسلطان عبد الحميد جعل اليهود يتآمرون عليه. إلى آخره.

الحقيقة التاريخية تسكن في تداخل من عشرات التفاصيل والصراعات التي المؤامرات جزء طبيعي منها، لكن الفكر المؤامراتي يختزل كل شيء في مؤامرة لأن العقل البشري يستسهلها، وبينما بعض هذا يستند إلى حقائق من المؤامرات هي جزء حقيقي من مشهد كبير (يحذفه كاملًا مع الإبقاء فقط على الحقيقة المؤامراتية) فإن البعض الآخر من هذه التفسيرات المؤامراتية يخترع شخصية لا دليل قوي على وجودها تاريخيًا لتجعل منها الشماعة التي أدت إلى حدوث كوارث تاريخية، وهذا أسهل طبعًا من الاعتراف بحقيقة وجود صراع حقيقي بين شخصيات نكن لها جميعًا احترامًا تاريخيًا، رغم أن صراعها هو جزء من الطبيعة البشرية ولا ينبغي أن يمس باحترامنا لها.

هذا كله موجود والحديث عنه قديم.

لكن دخول الفكر المؤامراتي إلى التعامل مع علم الحديث أمر أزعم أنه جديد من الناحية الأكاديمية.

أقول أكاديميًا، لأنه سبق أن تحدث غير مختصين بنفس الطريقة المؤامراتية عن علم الحديث، أغلب من يسمون أنفسهم قرآنيين تحدثوا عن وجود مؤامرة كبرى من الرواة، ولكن أغلبهم لم يكونوا من المتخصصين أكاديميًا.

لكن هناك اليوم أكاديميون جدد، مختصون بعلم الحديث، ولكنهم يتعاملون مع علم الحديث بطريقة نظرية المؤامرة. بالضبط يجلبون نظرية المؤامرة كجرافة تزيل من علم الحديث والأحاديث النبوية كل ما لا يروق لهم (وحتى ما يروق لهم، لكن دون أن يشعروا). لا أشكك بنيتهم، فهذا ليس متاحًا لي أو لسواي، ولا يعلمه إلا العليم بذات الصدور، ولا أعلم عنهم شخصيًا إلا كل خير، لكني أشكك بمنهجية التفكير التي تتبنى نظرية المؤامرة في النظر إلى علم الحديث. أي مؤامرة، بالتعريف، يجب أن تكون سرًا، المتآمرون لن يصدروا بيانًا يعربون فيه عن خطتهم، إلا لو ظهرت وثائق لاحقة تثبت اتفاقهم على تنفيذها، ولأنها سر فهي أمر لا يمكن إثباته، ولا يمكن نفيه في الوقت ذاته ما دام هذا المنطق المؤامراتي قائمًا.

د. عمار الحريري مثلًا أحد هؤلاء الأفاضل، وهو يحمل شهادة أكاديمية تتيح له أن يتحدث عما يتحدث عنه (وليس طبيب أسنان مثلي)، وهو يتهم (في مقال له على الفيسبوك) كل الأحاديث القدسية بأنها صُنعت من قبل بعض الرواة من خصوم الدين وذلك لصنع كتاب آخر غير القرآن بدعم السلطة التي استخدمت هذه الروايات لدعم شرعيتها. يقول الدكتور بالحرف: (الأحاديث القدسية افتراء على الله ورسوله… لقد تفنن الرواة، وبعض خصوم الإسلام، في تحريف هذا الدين من داخله، وهذا من أخطر ما أُصيبت به الأمة، خصوصًا حين تبنت السلطة الروايات الحديثية خدمة لمصالحها، حتى أصبحت “دور ضرب الحديث” أكبر وأخطر من دور سك العملة) انتهى الاقتباس، ولو أن الدكتور قد قال ( بعض الأحاديث) لكان النقاش أخذ منحى آخر، لكنه شمل كل الأحاديث القدسية، وليس في بقية مقاله ما يشير إلى استدراك لاحق.

الكلام قد يمتلك جاذبية للبعض (لأسباب مختلفة لسنا بصددها)، لكن لا يوجد شيء مما يقال هنا يصمد أمام أبسط بحث علمي متجرد من الأحكام المسبقة. الأحاديث القدسية لم تُعامل قط على أنها كتاب بديل، وليس فيها أصلًا ما يمكن أن يكون بديلًا للقرآن أو أن يُستخدم من قبل السلطات أكثر من أي نصوص أخرى، وفكرة تسلل خصوم الدين إلى رواة الأحاديث عمومًا والقدسية تحديدًا لا دليل عليها ولا ناتج مهم عنها، والسلطات لم تكن بحاجة لهذا على أي حال، إذ إن تأويل وتفسير الآيات والنصوص لصالحها أمر أسهل وأقل خطورة وقد حدث دومًا دون أن يُغير من هذه النصوص ودون الحاجة إلى جمع خصوم الدين من الرواة في محفل مزعوم كهذا.

الجرافة التي تُستخدم هنا تطيح بآليات التصحيح ونقد الضعيف والموضوع، لأنها بينما تنسف أحاديث قدسية يزعم الدكتور عمار أنها مكذوبة، فإنه في الوقت ذاته ينسف كل ما جعلها صحيحة في عرف أهل الحديث، وهذا ينسف بدوره كل ما استخدمه أهل الحديث من أدوات.

الفكرة الأساسية في هجوم الدكتور الفاضل على الأحاديث القدسية واضحة، فهو يقول إن كلام الله خارج القرآن فكرة باطلة لأنها تناقض آيات القرآن الكريم، لكن ما يراه هو تناقضًا، لا يراه آخرون كذلك، فقد رد على ذلك العلماء منذ قرون طويلة، ولم يُعامله أحد على أنه مثل القرآن الكريم، بل اعتبروه من حيث المعنى من الله، ومن حيث اللفظ من الرسول عليه الصلاة والسلام، وفرقوا بدقة من حيث التعامل معه، حيث لا يمكن التعبد به وتلاوته كما القرآن، وثبوته مختلف تمامًا فهو ظني كأغلب الأحاديث، بينما القرآن قطعي الثبوت، ولا تنطبق أحكام الطهارة الواجبة عند مس المصحف، إلى آخره، وهي كلها اختلافات تعني أن الأولين قد وضعوا ما يكفي من الإشارات التي تميز بين القرآن الكريم والأحاديث القدسية، دون أن يعتبرها أي منهم مؤامرة على القرآن لصنع كتاب بديل.

هذا يعني أن ما يجده الدكتور تناقضًا بين هذه الأحاديث وبين القرآن، لم يجده آخرون (في مكانة عليا لا يمكن مقارنتها بمكانته مع كل الاحترام له ولعلمه) تناقضًا، بل على العكس، أصّلوا للفرق بين الأمرين. ولم يُعرف أبدًا أن هناك من المتآمرين المزعومين من رواة الحديث من حاول أن يخلط بين الأحاديث والقرآن. كذلك لا نعرف حديثًا قدسيًا واحدًا يمكن أن يُجيّر لصالح سلطة معينة لكي تكتمل دائرة المؤامرة. وهذا لا يعني أن السلطات كانت بريئة من توظيف النص الديني لخدمتها، لكن الأمر كان أيسر في توجيه تفسيرات معينة، وفي مرحلة لاحقة في اختراع أحاديث موضوعة صريحة بدعم هذه السلطة أو تلك، وهي أحاديث لا تصمد لأي نقد حديثي.

يقول الدكتور أيضًا إن ألفاظ هذه الأحاديث ركيكة. والحقيقة أن هذا توصيف ذاتي جدًا، وعلى العكس من ذلك، أجدها شخصيًا رائعة ومؤثرة، وهو توصيف ذاتي أيضًا، ولا قيمة له في الحالتين، معايير رفض وقبول الأحاديث لا تُبنى على ذائقتنا، بل على معايير دقيقة تخص السند ورجاله، لن أقول إنها معايير معصومة، لكنها معايير علمية يمكن مراجعتها وتنقيتها من قبل أصحاب الشأن، لكن ليس حسب (الذائقة)، وبالتأكيد ليس حسب منطق المؤامرة.

مما قاله الدكتور الفاضل أيضًا، أن أكثر هذه الأحاديث منسوبة لأبي هريرة (وهو للأمانة لا يتهمه، بل يقول إنها مُفتراة عليه)، وهو أمر غير دقيق، فنسبة كبيرة من كل الأحاديث (القدسية وغيرها) هي من رواية أبي هريرة، لذلك فمن الطبيعي جدًا أن تكون نسبة الأحاديث القدسية التي رواها أكثر من غيره من الصحابة، لكن هناك صحابة آخرين غير أبي هريرة، رووا أحاديث قدسية: ابن عباس، وأنس، وأبو ذر، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، والسيدة عائشة، مع الأخذ بنظر الاعتبار تفاوت عدد الأحاديث التي رواها كل من هؤلاء.

ويذكر الدكتور مجموعة من الأحاديث القدسية وهو يقول: أيُعقل أن يقول كذا وكذا؟

وأيُعقل هذه ذاتية جدًا، ونسبية جدًا، لأن الأمر مرتبط بفهم وتأويل ما في نص الحديث، ما لا يعقله الدكتور الفاضل قد يعقله سواه، لأن العقل هنا ليس آلة المنطق المعروفة، بل هو مجموعة من آليات التفكير التي تختلف من شخص لآخر. شخص يتأول ويبحث عن معنى، فيقبل بلا غضاضة، وشخص آخر لا يجد أكثر من حرفية الألفاظ، فينفر ولا يتقبل.

على سبيل المثال، يذكر الدكتور عمار حديث: “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ…” فيستنكره ويعتبره إساءة لمقام الألوهية، رغم أن آخرين لا يجدون فيه شيئًا من ذلك، بل يجدون فيه حثًا على التعاون والتراحم بين الناس، ثم يقول إن مسلم قد انفرد به، بينما (رفضه) البخاري.

كيف رفضه البخاري؟ لم يذكره في صحيحه! وهل كل ما لم يذكره البخاري في صحيحه يُعتبر مرفوضًا من قبله؟ وما معنى مرفوضًا هنا؟

البخاري نفسه قال إنه ترك كثيرًا من الصحاح، وقال عنه العسقلاني: ليس كل ما صح عند البخاري في الصحيح، بل إنه ذكر هذا الحديث تحديدًا في الأدب المفرد، فكيف يكون قد رفضه؟

البخاري نفسه روى الكثير من الأحاديث القدسية التي يحكم عليها أخونا الفاضل بالنسف، ومن ضمنها حديث: “إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا…” الذي يعتبره الدكتور إساءة للذات الإلهية لما فيه من تشبيه، بينما يجده كثيرون حديثًا عن القرب من الله والطمأنينة بهذا القرب.

للدكتور الفاضل عمار الحريري مقالات كثيرة عن الحديث النبوي، وكلها تندرج ضمن هذا الإطار من الفهم، وقد اخترت موضوع الأحاديث القدسية تحديدًا لأنه مقال واضح ويخص الكثير من الأحاديث التي يعرفها الناس ولا يجدون فيها شبهة مؤامرة من خصوم الدين أو من السلطات كما يقول الدكتور الفاضل.

أكرر عدم تشكيكي بنية الدكتور عمار الحريري، بل أجده شخصًا جادًا في طرحه دون محاولات تفلت كما يفعل سواه من دعاة نسف الحديث النبوي. ولكن برأيي أن منطق المؤامرة لا يمكن أن يكون حكمًا في موضوع دقيق كهذا.

أفهم أن لدينا الكثير من المشاكل في تعاملنا مع الحديث النبوي.

 وهذا النسف بجرافة المؤامرة ليس حلًا لأي مشكلة. بل مفتاح لباب مشاكل أخرى.

هذا حل مثل وصفة لصداع، توصي بطلقة في الرأس.

تقضي على الصداع والرأس في آن واحد.

رابط مختصر https://ahmedkhairi.com/2026/01/11/%d8%b9%d9%86-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%a7%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab/
مقالات, مقالات من الفيس بوك

تصفّح المقالات

Previous Post: عقل الأقلية: اليهود كنموذج في السيرة النبوية
Next Post: عن السياب وبلقيس شرارة: الشكل والعمر وأشياء أخرى

Related Posts

قبول الآخر أم انتحار الذات؟ مقالات
” في الرد على التعليقات على حلقة التطور: من “نظرية التطور” إلى نظرية ” كل شيء”… مقالات
موصللوجيا 7 فقدناهم ذات داعش مقالات
شريطان لرهائن الكنيسة مقالات
العقل العمري :كلُّ الحكاية في “نظام التشغيل”..! مقالات
مطلوب ‘نجّارين’ لحصان طروادة مقالات

Copyright © 2026 أحمد خيري العمري.

Powered by PressBook Masonry Dark