أغلب البشر متحيزون إلى ( قبائلهم).
ولا أقصد بالقبيلة هنا قبيلة الدم والقرابة، الانتماء إلى جد مشترك، بل أقصد قبيلة الانتماء العام لمجموعة ما ( دين، طائفة، مذهب، شعب، عرق، آيديولوجية معينة، وأحيانا بشكل أبسط وأوضح الجمهور المشجع لهذا الفريق أو ذاك الفنان).
أغلب البشر يتحيزون للمجموعة التي يجدون معها مشتركا يحقق لهم انتماءهم. غالبا لا يكون هذا مشكلة إلا عندما تدافع هذه المجموعة عن خطأ أو جريمة ارتكبها جزء من المجموعةـ يحدث تحيز واضح يتراوح بين غض النظر عن الجريمة أو تخفيفها وصولا إلى تبريرها وتشجيعها.
كل من عاش أكثر من ثلاثة عقود، أو أقل أحيانا، يمكن أن يكون قد رأى ذلك وخبره. أشخاص يقفون مع الحق وضد الباطل في أمر ما ( لا شك في أحقيته)، ثم يقفون موقفا معاكسا عندما يتعارض هذا مع تحيزاتهم لقبيلتهم.
رأينا ذلك كثيرا، بل هو الأعم الأغلب في سلوك البشر رغم أننا نستغربه. لكن ما نستغربه من ناس قد نقع فيه بأسرع مما نظن.
هذه للأسف من طبائع البشر. طبائع اكتسبها البشر عبر ألاف السنين من محاولات البقاء على قيد الحياة.
العقل البشري الحالي (بمختلف توجهاته من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين) هو نفسه العقل الذي نشأ في حرب الصراع من أجل البقاء قبل ألاف السنين. الهدف لم يكن الحقيقة، أو الصدق، القيم الأخلاقية. الهدف كان النجاة. تفادي الخطر. البقاء على قيد الحياة بوجه مخاطر الافتراس والموت بردا أو جوعا أو قتلا.
وكان الانتماء إلى مجموعة، قبيلة، أو منظومة أصغر، واحدة من أهم أساسيات النجاة التي بني العقل البشري عليها. الفرد فريسة سهلة. المجموعة نجاتها أكثر ضمانا. الفرد ضعيف ونادرا ما يتمكن من الإفلات من المخاطر، المجموعة قوة، تستمد قوتها من أفراد مجتمعين، وتحميهم في الوقت نفسه. وتوفر لهم فرص أفضل للنجاة. في عقل كهذا: هناك ( نحن)، وهناك ( هم)، وربما أكثر من ( هم) واحدة، وهناك مخاطر تهدد وجود الـ ( نحن)، وهناك ما يحقق هوية المجموعة، طوطم القبيلة أو رمزها أو وثنها المقدس.
لم تتغير الأمور كثيرا في داخل منظومة العقل الإنساني. تغيرت التطبيقات المستخدمة، ولكن أغلب فاعليته لا تزال تعمل بنفس الطريقة. ال (نحن) و ( هم) صارت طيفا واسعا من الانتماءات التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي، إسلاميون بتدرجاتهم نوعا وطائفة ومذهبا،وعلمانيون وليبراليون وبقايا يساريين. في الخارج: مختلفون جدا. وفي الداخل: منظومة الـ نحن، والـ هم، وطوطم القبيلة يستبدل بشعار جامع يلم حوله الأنصار الذين يتحيزون بالرغم من كل مبادئهم وقيمهم.
وكلما زاد حجم المجموعة، زادت إمكانية وجود تنوع موضوعي داخلها، يتيح للبعض الانتماء إلى مجموعة ضمنية داخل المجموعة الأكبر، لديها بعض التحفظات أو التعديلات، مما يجعلها أقرب إلى قيمها دون أن تخرج عن المجموعة الأم.
أما عندما تكون المجموعة صغيرة الحجم، أقلية، فأن فرص وجود هذا التنوع نادرة جدا للأسف، الخيارات قليلة لأن الخروج عن المجموعة سيعني الموت( أحيانا حرفيا) وأحيانا معنويا.
محظوظ هو من لا يدخل في اختبار كهذا.
