الكلام الذي نقل على لسان السيدة بلقيس شرارة عن بدر شاكر السياب..كان مجتزئا من سياق أكبر فيه ثناء مستحق على عبقريته الشعرية…للوهلة الأولى عندما قرأت الكلام كان عندي رد فعل مثل أغلب الناس وفسرت الموقف بحسابات مؤدلجة قديمة…لكن بعد مشاهدة السياق كاملا أجد أن السوشيال ميديا بعناوينها الجاذبة للترندات ضخمت الأمر بوضوح.
لا يمكن نفي الأدلجة تماما برأيي لكن في الأمر أمور أخرى أكثر تعقيدا.
هناك ما يمكن أن يكتب ضمن مقال أو كتاب..فيكون رد الفعل أخف حتى لو رفضنا بعض المكتوب…لكن أن يقال ما قيل ضمن بودكاست مرئي فمن المؤكد أن قوانين الترند لن تنتبه للثناء بل ستركز على الملاحظات العابرة… المقطع أخذ عنوان : بلقيس شرارة تتنمر على بدر شاكر السياب…لكن هذا العنوان خادع للأسف…لقد ذكرت السيدة بلقيس ملاحظات شكلية ترى أنها أثرت على نفسيته ..لم تكن تعاير أو تستهزأ…لكن اغلب الجمهور أخذ الأمر دون سياقه..
أمر آخر..سؤال مقدم الحوار عن شخصية السياب كان سؤالا ملغوما…الشاعر ليس مطلوبا منه أن يكون قياديا أو زعيما أو اداريا كي نسقط هذه الأنماط عليه…هو شاعر.نقطة انتهى. يحتاج أن يكون مبدعا لا أن يكون مدير مدرسة. ولا يضيره في شيء أن يقال أن لميعة أو نازك كانتا أقوى منه في الشخصية ..ذلك أن كل منهما قدمتا من سياق مختلف تماما .وكل منهما قدمتا إرثا شعريا لا يقل أهمية عن إرث السياب…وكل من هؤلاء ساهم في تشكيل المشهد الثقافي في العراق ولعقود.
هل يمكن أن نحذف أثر المنافسة بين بدر ونازك على موقف السيدة بلقيس؟ صراحة لا أعتقد ذلك. حتما التنافس يخلق تحيزات طبيعية..ونازك الملائكة تملك رصيدا لا يقل عن رصيد السياب وكانت أيضا شخصية ذات مواصفات تجعل بلقيس مؤيدة لها دون شك…عدا عن خلفية اجتماعية أكثر تقاربا من خلفية السياب…وهذا لا يقلل من السياب في شيء..لكنه يساهم في تفسير موقف السيدة شرارة.
كل ما قالته السيدة بلقيس وهي كاتبة رصينة وجادة كانت ربما ستقوله بطريقة أكثر قبولا لو كان هذا اللقاء قبل عشر سنوات لأن إدراكها لعواقب ما تقول سيكون أوضح وبالتالي ستقدمه بطريقة أقل صدامية…العمر له أحكامه التي يجب احترامها وتقدير آثارها..
هناك أمر لم يكن له أي داعي في كل ذلك..لا اليوم ولا قبل عشر سنوات ..قولها إن زوجته لم تكن بمستواه…هذا كلام مهين لأسرة بأكملها ..هو أسوأ برأيي من ملاحظات الشكل التي أثارت ضجة…للأسف يعتقد البعض أن ما يعتقدونه عن الحياة الشخصية للآخرين أمر مشاع يمكن أن يدلوا فيه كما يريدون دون اعتبار لمشاعر أحد ممن قد يتأثر من هذا ..
للأسف السيدة بلقيس شرارة من هذا البعض.
وهذا لا ينتقص منها في شيء. هو فقط يفسر ما قيل.
