شحروريات 1: ثم جاء شحرور
لقرونٍ، كان أغلبُ الأشخاص الذين يرتكبون مخالفاتٍ شرعية يفعلون ذلك وهم ينوون التوبة ويطمعون في مغفرة الله وعفوِه. أحيانًا ينجحون في الانقطاع عن مخالفاتهم، وأحيانًا يتعثرون في ذلك، لكنهم كانوا مدركين أن فعلَهم خطأ من الناحية الشرعية، وكانوا يشعرون بالذنب تجاهه، وكان هذا الشعور يساهم في توبتهم وتصحيح مسارهم، أو في محاولتهم ذلك على الأقل.
أتحدث هنا طبعًا عن الناس الذين يؤمنون بالدين، أي يصدّقون به. كان هناك دومًا أشخاص لا يؤمنون بالدين، حتى لو أظهروا غير ذلك؛ هؤلاء ليسوا ضمن حديثنا. نحن نتحدث عن أشخاص يؤمنون بالدين، يؤمنون أن هناك ذنوبًا تُعدّ كبائر، وأن هناك حسابًا في الآخرة، وأنهم قد يعاقَبون على ما ارتكبوه، وقد ينالون مغفرة الله. لكن من ناحية المبدأ كانوا مُقرّين بأن ما يفعلونه خطأ، وأنهم يفعلونه نتيجة ضعفهم البشري.
بعضهم ربما لم يحاول التوبة قط، متكلًا على مغفرة الله وطامعًا في رحمته، لكن حتى هؤلاء لم يكونوا ينكرون حرمة ما يفعلون، ولا يعتبرونه حلالًا جائزًا.
بقي الأمر هكذا لقرون. لم تكن هناك أيُّ فترةٍ وُجدت فيها مجتمعات فاضلة تمامًا، لكن الفضيلة والرذيلة كانتا، بالتأكيد، في مدٍّ وجزر، اعتمادًا على ظروفٍ تتغير باستمرار.
كان ذلك لقرون: الأمر الطبيعي في الصراع بين الضعف البشري والشهوات التي تجذبه نحو المغريات والمحرمات؛ معادلةٌ مستمرة هي جزء من رؤية الإنسان المؤمن للحياة وللعالم.
إلى أن جاء شحرور.
جاء شحرور لينزع فتيلَ المعادلة. بعضُ الحرام الذي كان جزءًا أساسيًا منها لم يعد حرامًا حسب شحرور. وعندما لا يكون هذا الحرام حرامًا، فلا داعي للتوقف عنه، أو التوبة منه، أو الشعور بالذنب تجاهه. لم يعد حرامًا. انتهى الأمر.
على الأقل بالنسبة للبعض.
في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، أصدر محمد شحرور (وهو مهندسٌ مدني يحمل شهادة الدكتوراه في تخصصه من إيرلندا) كتابًا ضخمًا بعنوان: الكتاب والقرآن، ادّعى فيه أن كل ما فهمه المسلمون من دينهم في القرون الأربعةَ عشر الأخيرة كان خاطئًا ومعكوسًا، وأنه أخيرًا جاء بالمعنى الصحيح للدين. قال ذلك بالفعل، والتشبيه ليس تندّرًا مني عليه؛ بل إنه شبّه نفسه بغاليليو الذي قال إن الأرض تدور حول الشمس بينما كان الكل يقولون عكس ذلك. أي إنه تعامل مع أفكاره لا بوصفها أفكارًا قابلة للنقاش والتصويب، بل باعتبارها تمثل الحقيقة العلمية التي غابت عن الجميع عبر القرون.
هذه “الحقيقة العلمية” قدّمها من خلال إطارٍ نظري أطلق عليه اسم القراءة المعاصرة؛ وهو إطارٌ نظري قائمٌ، في نظري، على تخمينات وافتراضات لا يبذل شحرور جهدًا كافيًا للبرهنة عليها. ولولا أن هذا الإطار النظري أفضى إلى مخرجات ونتائج فقهية عملية توصّل إليها شحرور عبر تخميناته، لما سمع أحدٌ بشحرور، ولما كان هناك نقاشٌ عنه بعد أكثر من ثلاثين عامًا من صدور الكتاب.
لكن ذلك البناء “الكارتوني”، الذي بدا بلا قواعد ولا أسس، تمخّض — بعمليةٍ أراها مُصطنعة — عن نتيجتين فقهيتين كانتا السبب وراء شهرة شحرور، ثم بقاء اسمه حتى اليوم.
النتيجة الأولى كانت إلغاء غطاء الرأس للمرأة؛ إذ قال شحرور إن الحدَّ الواجب من التغطية هو — على حدّ زعمه — ما يغطّيه لباس البحر المكوّن من قطعتين، أي “البكيني”. قال ذلك فعلًا، وهذه ليست مزحة.
والنتيجة الثانية كانت أن الخمر — حسب شحرور — لم تعد من المحرمات، بل أصبحت ضمن ما نصحنا الله بالابتعاد عنه دون أن يكون حرامًا. هكذا بالضبط، ومرة أخرى: ليست مزحة.
الكثير من المسلمات لا يضعن غطاء الرأس لأسباب وأعذار مختلفة: “لم يحن الوقت”، “لم أقتنع بعد”، “الله غفور رحيم”… وأشياء مماثلة. هذا كله قابل للأخذ والرد، لأنه ضمن حدود الطبيعة البشرية التي تتأرجح بين القوة والضعف. لكن شحرور جاء ليقدم للبعض منهن — على الأقل — أمرًا جديدًا: غطاء الرأس ليس فرضًا أصلًا.
والشيء نفسه بالنسبة للخمر. كثيرٌ من المسلمين يشربون الخمر ويقرّون رغم ذلك بحرمتها؛ ينقطعون عن ذلك في رمضان مثلًا، ثم يعودون لشربها في العيد. ينوون التوبة ويتعثرون في ذلك… الطبيعة البشرية مجددًا. لكن شحرور جاء ليقول لهم إن الخمر ليست محرمة كما كانوا يظنون، بل إن الصيام نفسه أمرٌ مستحب، ويستطيع من يرغب أن يدفع فديةً فحسب.
هذان الأمران (غطاء الرأس والخمر) هما السبب في قوة شحرور وانتشاره. لا شيء في إطاره النظري — في نظري — يستحق أن يبقى بعد التدقيق، لكن “تحليل الحرام” عبر لغة توحي بعمقها وتعقيدها ونخبويتها كان له أثره الكبير، وهو ما جعل اسم شحرور لا يزال مطروحًا حتى الآن.
ملحوظة: لا علاقة لي هنا بنية شحرور. ربما كان مقتنعا بما يقول. أتحدث عن نتائج ما قال..
يتبع
شحروريات 2: داخل متاهة فرط التصنيف
ثلاث مواصفات أساسية لمنهجية التفكير والنظر عند شحرور:
أولًا: فرط التصنيف.
ثانيًا: التفكير الذرّي.
ثالثًا: التصلّب المعرفي.
فرط التصنيف هو أبرز ما يستخدمه شحرور في منهجه. كلُّ شيء يُصنَّف، ثم يُقسَّم إلى المزيد من التصنيفات دون هدف واضح، أو دون هدف على الإطلاق. يعلّل شحرور هذا بفرضية عدم وجود الترادف في القرآن الكريم، ويدّعي — مجانبًا الحقيقة — أن علوم اللسانيات الحديثة تنفي وجود الترادف بالمطلق، وهو أمر غير صحيح تمامًا؛ إذ إن علم اللسانيات الحديث، بينما يقول إن الترادف التام نادر، إلا أنه يقرّ بوجود ترادف جزئي كثير ومنتشر ، وهذا أمر مختلف تمامًا عن دعوى شحرور بنفي الترادف بالمطلق.
وهو يبني «فرط التصنيف» على هذه الدعوى، ويدّعي بالمقابل أن «التراث مبني على الترادف»، وهو ادعاء بلا برهان ويحتوي قدرًا كبيرًا من المبالغة. التراث أقرّ بالترادف فعلًا، لكنه أعقد بكثير من أن يُبنى على الترادف. شحرور يركّز على هذا الأمر لأن فرط التصنيف سيفرط لولا نفي الترادف.
أهم ما يقود إليه فرط التصنيف عند شحرور هو الفصل بين الكتاب والقرآن، حيث يعتبر كلًّا منهما مستقلًا عن الآخر، وتصنيف الكتاب إلى عدة كتب، من ضمنها القرآن، ويقود ذلك إلى عدة تصنيفات فرعية. وبينما يقرّ شحرور — مشكورًا — أن كل هذه التصنيفات هي من عند الله، إلا أن فرط تصنيفه هذا يتيح له أن يقول إن الآية الفلانية أو الأمر الفلاني ليس من القرآن، بل من كتاب آخر يسميه «أم الكتاب» (صفحة 38 من كتاب الكتاب والقرآن). وهو يرى أن كل ما في هذا الكتاب (أي كتاب أم الكتاب) قابل للتحوير والاجتهاد والتغيير حسب الظروف (صفحة 37). وهكذا يستعيض شحرور عن القول بتاريخية النص بالقول إن هذا النص ليس ضمن القرآن أصلًا، بل في كتاب آخر من كتب عديدة تشكّل جميعها ( الكتاب).
يقول شحرور ويكرر أنه قام بمسح كل الآيات في «الكتاب» وخرج بنتائج تصنيفاته المتفرعة، لكنه لا يطلعنا على هذا المسح ولا على أدلته، بل يقدمها كتخمينات يُفترض بنا الاعتماد عليها في قبول نتائجه. علمًا أن مسحًا جزئيًا للآيات الكريمة يجعلنا نفهم فورًا أن تخمينات شحرور محض تخمينات، وأن تصنيفاته تقترب من أن تكون حلولًا تنجيمية لكلمات متقاطعة لم تتناسب أعداد حروفها مع عدد المربعات المتاحة، فيقوم بحشر عدة أحرف في مربع واحد أحيانًا، أو ترك المربعات فارغة أحيانًا أخرى، حسب الحاجة.
فرط التصنيف هذا يقود إلى ما يلي:
الكتاب يتكوّن من كتابين: كتاب النبوة + كتاب الرسالة.
كتاب النبوة خاص بالنبي، وكتاب الرسالة خاص بالرسول.
كتاب النبوة بدوره يتكوّن من آيات متشابهات + آيات لا محكمات ولا متشابهات.
الآيات المتشابهات تتكوّن من كتابين: القرآن العظيم + السبع المثاني، بينما الآيات التي لا هي محكمات ولا متشابهات شكّلت «تفصيل الكتاب».
القرآن العظيم بدوره ينقسم — حسب شحرور — إلى لوح محفوظ + إمام مبين.
اللوح المحفوظ هو نفسه القرآن المجيد، ويضم القوانين العامة الناظمة للوجود، حسب شحرور.
أما الإمام المبين فيضم: الكتاب المبين + كتاب مبين.
الكتاب المبين يضم أحسن القصص وقوانين التاريخ،
وكتاب مبين يضم قوانين جزئيات الطبيعة (تصريف أحداث الطبيعة).
وهذا كله ضمن كتاب النبوة.
أما كتاب الرسالة فيضم ما يلي:
آيات محكمات هي أم الكتاب، وأم الكتاب تتضمن:
1. .الحدود، ومن ضمنها العبادات.
2. .الفرقان العام والخاص (الوصايا).
3. .أحكام مرحلية.
.4. .أحكام ظرفية (آيات مبينات).
5. .تعليمات عامة وليست تشريعات.
.6. تعليمات خاصة وليست تشريعات.
(التقسيم من مخطط صفحة 18 من كتاب د. شحرور الكتاب والقرآن).
الأمر يشبه متاهة يضيع فيها أحيانًا شحرور شخصيًا. قد يبدو الأمر مضحكًا في البداية، لكنه محزن جدًا. كيف يمكن لأي كائن عاقل لديه أدنى حس منطقي أن يقتنع بأن هذه الفوضى يمكن أن تقود إلى أي نتيجة متماسكة؟
بل كيف يمكن لشخص أن يرى فرط التصنيف هذا دون أن يحاول التدقيق فيه ليفهم لماذا وكيف وضعه شحرور؟ مجرد تخمينات لن تصمد أمام أبسط مسح وتدقيق.
على سبيل المثال: يقول د. شحرور إن «الوصايا» تقع ضمن «أم الكتاب» وليست ضمن «القرآن». بالنسبة له، كلٌّ منهما كيان وظيفي مستقل عن الآخر. لكن لو دققنا في السور التي تضمنت الوصايا لوجدنا مثلًا أن سورة الإسراء (مع سورة الأنعام) هي السورة التي تضم وصايا واضحة جدًا من الآيات 22 إلى 39. وسورة الإسراء هذه هي أكثر سورة تكرر فيها لفظ «القرآن» — 11 مرة. سبحان الله. لكن هذا لا دلالة له في منهج شحرور.
نحن هنا لا نتحدث عن أخطاء بشرية وقع فيها شحرور كما يقع فيها أي بشر، بل عن منهج قائم على قراءة تخمينية لا أساس لها، وكل ما ينتج عنها خاطئ بالضرورة، بل إن الصواب الذي قد ينتج عن هذه القراءة هو صواب عرضيّ صدفي.
شحروريات (3): عملية فصل النبي عن الرسول
قلتُ في المقال السابق إن نمط التفكير الذي يعتمد عليه د. محمد شحرور يتصف بثلاث صفات: فرط التصنيف، والتفكير الذرّي، والتصلّب المعرفي.
فرطُ التصنيف قاد إلى فوضى من التصنيفات والتقسيمات المتشابكة التي أنتجت «متاهة» حرفيًا، كما رأينا في المقال السابق. فما هو التفكير الذرّي؟
يتعامل د. شحرور مع كل جزء يقسمه ويصنّفه كما لو كان جزءًا منفصلًا عن جميع الأجزاء الأخرى؛ كل جزء ذرة مستقلة، لا يوجد أي رابط بينها وبين سواها من الذرات.
الأمر يشبه التعامل مع أعضاء جسم الإنسان كما تفعل كتب الأحياء: فصل للجهاز الهضمي، ثم فصل للجهاز العصبي، وآخر للجهاز الوعائي. ثم يأتي درس التشريح ليجد الطالب نفسه أمام الحقيقة: هذه الأجهزة متداخلة ومتشابكة في الواقع، ولا يمكن فصلها عمليًا. حتى وظائفها متداخلة وتتأثر ببعضها بعضًا. الفصل المطلق وهم.
هذا واضح للغاية في طريقة تعامل د. شحرور مع تقسيماته. فهو لا يتعامل معها على أنها فروع متصلة تتداخل أحيانًا (على فرض صحتها أصلًا)، بل على أنها أقسام مستقلة محاطة بخرسانات وأسوار شائكة.
أوضح مثال هو ما فعله بمصطلحي النبي والرسول. طبعًا لم يقل أحد بترادفهما، لكن الدكتور يتعامل معهما كما لو كانا شخصين مستقلين تمامًا: واحد رسول والآخر نبي. يفعل ذلك منذ البداية حين يفصل بين «كتاب النبوة» و«كتاب الرسالة» في عملية تقسيمه الأساسية للكتاب إلى عدة كتب، ثم يمضي في ذلك إلى التفصيل في الفصل بين النبي والرسول عليه الصلاة والسلام (أو عليهما حسب الدكتور؟ لا أدري).
يقول شحرور إن الفرق بين الرسول والنبي هو أن الأول يأتي برسالة فيها أحكام وشرائع (وأحيانًا يسميها تعليمات، وأحيانًا يضع التعليمات في مكان آخر)، أما النبي فيأتي بأنباء (غيب). علمًا أن المعجم الذي يعتمد عليه شحرور (مقاييس اللغة) لا يقول أبدًا إن النبأ هو خبر الغيب، بل يقول إنه انتقال الخبر من مكان إلى مكان. لكن لا بأس؛ الدكتور ينتقي ما يريده من المعاجم ليصل إلى المعنى الذي يريده، حتى لو استخدم معنى معاصرًا، كما سيأتي لاحقًا.
وحسب شحرور، فإن الأنباء التي يأتي بها النبي (وهو ليس الرسول عنده) تتعلق بأخبار غيبية لا يترتب عليها سلوك، على عكس الرسالة التي يحملها الرسول (وهو ليس النبي حسب شحرور)، والتي تتضمن أحكامًا سلوكية مباشرة.
ولكي يبرهن الدكتور على ذلك، يقول إن الطاعة في القرآن جاءت للرسول ولم تأتِ للنبي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ آل عمران (59)
ويستنتج من ذلك أننا لسنا مأمورين بطاعة النبي، لأن نبوته أصلًا – حسب زعمه – ليس فيها ما يستوجب الطاعة، فهي لا تحتوي على تشريعات وأحكام. بل إن طاعة الرسول نفسها – عنده – محصورة بحياته لا بعد مماته (كما ذكر في ص 552). وهذا يعني أيضًا أن كل آية جاء فيها «يا أيها النبي» فهي خارج نطاق الطاعة.
(من الصعب جدًا أن نطرد سوء الظن حين نخمّن الآيات التي ستكون الرغبة في استبعادها هي السبب في كل هذا اللف والدوران، لكنه مجرد ظن، و«بعض» الظن إثم).
بل يفترض الدكتور فرضية غريبة مفادها أن الآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ التحريم (1)
لو نزلت بصيغة «يا أيها الرسول»، لكان أمر الرسالة أصبح مشكوكًا فيه، ولصار النبي/الرسول محرِّمًا للحلال تشريعيًا، رغم أن الآية نفسها تذكر أنه عليه الصلاة والسلام حرّم حلالًا على نفسه بالفعل، وأن الوحي نهاه عن ذلك.
وقبل أن أناقش هذا الفصل بين النبي والرسول، أترككم مع هذا المنشور الذي كتبه الدكتور على صفحته في فيسبوك بتاريخ 22 فبراير 2014:
علينا أن نحدد الفرق بين النبوة والرسالة، النبوة من (نبأ) وهي غيبيات، أما الرسالة فهي أحكام. والنبوة جاءت لتفرق بين الحق والباطل في الوجود، أما الرسالة جاءت لتفرق بين افعل ولا تفعل في السلوك (الحلال والحرام). والنبوة جاءت تصديقاً للرسالة. نقول الموت حق والقتل حرام. وإبليس وجبريل كلاهما حق (أي موجود) ولكن اتباع جبريل حلال واتباع إبليس حرام. والغنم والخنزير كلاهما حق (موجود) ولكن أكل الغنم حلال وأكل الخنزير حرام (سلوك).
والقرآن هو النبوة وفيه الإعجاز وجاء تصديقاً للرسالة، أي أن رب العالمين بعث لنا رسالة فيها أوامر ونواهٍ (ولله المثل الأعلى) وقال لنا ماذا نفعل وماذا لا نفعل، ووقّع عليها لكي نتأكد أنها منه، وتوقيعه عليها هو القرآن. أي أن الرسالة قابلة للتزوير، ولكن القرآن غير قابل للتزوير، فالقرآن مصدقاً لما بين يديه، وما بين يديه هو الرسالة.
انتهى المنشور.
لا أريد التعليق الآن على مسألة التزوير والتوقيع. لكن لنتنبّه إلى أن الدكتور شحرور هنا يتعامل بطريقة «الفصل الذرّي» بين الغيب والسلوك، كما لو أن أخبار الغيب لا تؤثر على سلوك المؤمنين بهذا الغيب، وكأن هذه الأنباء تخص حالة الطقس في قارة بعيدة قبل قرن من الآن، لا يترتب عليها شيء.
الدكتور، وهو يضع ما يشبه اللاهوت والناسوت مع الرسول عليه الصلاة والسلام، يتعامل مع النبي والرسول كما لو كانا شخصيتين منفصلتين، غير مدرك للتداخل الحتمي بين اللقبين اللذين يحملهما شخص واحد، عليه أفضل الصلاة والسلام.
لكن هذا الفصل لا وجود له في القرآن الكريم:
﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ الأعراف (157)
الرسول النبي. واحد. هكذا يقول القرآن. وقبلها «يتبعون». والاتباع أقوى من الطاعة؛ لأن الطاعة تنفيذ أمر، أما الاتباع فهو مضيّ ولحاق بالأثر، حتى لو لم يكن هناك أمر مباشر.
وليس هذا فقط؛ فبينما تضع قراءة الدكتور النبي خارج دائرة الطاعة، يضعه الله تعالى في أعلى درجات التشريف:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمً ﴾ الأحزاب (56)
الله وملائكته يصلون على النبي. النبي الذي هو الرسول. لا فصل بينهما.
ليس هذا فقط بل أيضا
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (﴾ الأحزاب (45–46)
«أرسلناك»… يا أيها النبي أرسلناك. نضع تحتها خطًا. أي: نبي ورسول. شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. السراج المنير هو الذي ينير الطريق المظلم. والاتباع أعلى من الطاعة.
ما يغفله الدكتور شحرور أن جميع الآيات التي خوطب فيها النبي بـ«يا أيها النبي» هي آيات مدنية، أي نزلت في مرحلة مختلفة وأكثر تعقيدًا، وهو لا يزال الرسول النبي في كل الأحوال. ووفق هذا السياق، فإن آيات «أطيعوا الرسول» تتضمن منطقيًا طاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
ولتقريب الفكرة – دون تشبيه – لو أن تسلسلًا هرميًا للأطباء في مستشفى يتضمن طبيبًا مقيمًا، وطبيبًا أخصائيًا، وطبيبًا استشاريًا، وطُلب من المريض الالتزام بتعليمات الطبيب الأخصائي، فإن التزامه بتعليمات الاستشاري أمر مفروغ منه.
والأمثال تُضرب ولا تُقاس.
يتبع
شحروريات 4: نَبِّي، ولكن رسول!
التفريق بين مقامي النبوة والرسالة في فكر د. شحرور ليس مجرد تصنيف فرعي ضمن ظاهرة فرط التصنيف أو لإثبات عدم ترادف المصطلحين، بل هو أساس لتبرير الخطوة التالية الأكثر شعبية وتفضيلا عند أتباعه. التعامل مع آيات النبوة وفصلها عن آيات الرسالة كما لو كان المخاطب بينهما شخصين مختلفين. بعبارة أخرى، وبالعربي الفصيح، الفصل بين مقامي النبوة والرسالة، أو بين النبي والرسول، يحول كل الآيات التي فيها نداء للنبي باعتباره نبيا ( يا أيها النبي) إلى آيات للاستئناس وربما التأمل لا أكثر. وربما يتسع الأمر إلى آيات ليس فيها تحديد للمخاطب بالنبوة أو الرسالة، ولكن يمكن ضمها إلى كتاب النبوة الذي يحال إلى متحف الاستئناس والتأمل التاريخي.
رأس الحربة في هذا الأمر هو التعامل مع آية (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله..). فمنطق المنهج الشحروري وقراءته المعاصرة لهذه الآية تجعل النبي معزولا عن التشريع (الله عاتب النبي على تحريم حلال، وهذا يعني بالنسبة لهم أن النبي لا يشرع).
سبق أن ذكرنا ما قاله د. شحرور أنه لو كانت الآية تخاطب الرسول ب يا أيها الرسول، لتغير المعنى وأصبحت الرسالة كلها في شك!
وهذا حسب المنطق الشحروري يعمم على كل الآيات التي يخاطب فيها النبي ب ( أيها النبي)، وهي حسب فهم أتباع شحرور تؤكد معنى أن النبوة معلومات وليس فيها أحكام. إلى آخره.
قال أحد الأخوة متسائلا ومنزعجا من شبهة د. شحرور: لماذا لم يقل الله يا أيها الرسول في هذه الآية؟
كما لو أنه يقصد لم لم يقل يا أيها الرسول حتى نتخلص من هذه الشبهة؟
لكن ( وجود المتشابهات) أمر قرره القرآن الكريم، ووجود من في قلبه مرض يقوم بتأويل هذه المتشابهات ابتغاء الفتنة هو أمر ذكره لنا القرآن الكريم أيضا. لذا فوجود ( شبهات) – بمعزل عن نوايا مطلقيها- هو أمر يجب أن يكون متوقعا باستمرار. والتصدي لها وتفنيدها ( لو كانت شبهة فعلا) جزء من مهمة التدبر في آيات القرآن الكريم. أقول لو كانت شبهة لأن ليس كل جديد يقال يكون بالضرورة شبهة. الأمر في مصداقيته وصموده أمام التحليل والقراءة الشمولية لكل آيات القرآن.
لكن قول الأخ الكريم يعبر عن (قوة الشبهة) على الأقل بالنسبة له. هو لم يقتنع بما قاله شحرور جملة وتفصيلا، ولكن من الواضح أن في قلبه شيء من قراءة شحرور لهذه الآية. ومن الواضح أنه ليس الوحيد في ذلك. فلنتفحص هذه الآية من سورة التحريم، وجدل لماذا قال الله يا أيها النبي ولم يقل يا أيها الرسول؟
السؤال، يفترض ضمنا أن خطاب يا أيها الرسول هو الأكثر انتشارا في القرآن، ولهذا يكون الاستغراب من إيراد مقام النبوة مع التحريم.
والحقيقة أن آيات (يا أيها الرسول) قليلة جدا بالمقارنة بـ ( يا أيها النبي).
يا أيها الرسول استخدمت مرتين فقط، وفي المرتين كانتا في سورة المائدة.
أما يا أيها النبي فقد استخدمت 13 مرة في سور متفرقة.
بعبارة أخرى، لو كان هناك سؤال يجب أن نطرحه، فهو سؤال لماذا ( يا أيها الرسول) في سورة المائدة، وليس يا أيها النبي، لأن الأخيرة هي الأكثر تكرارا.
لكن قبل أن أدخل في الجواب عن السؤال، عليَّ هنا أن أقف عند مفهوم الرسالة وفرقه عن مفهوم النبوة، علما أن القرآن الكريم فرق بينهما {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} الحج 52
في القرآن الكريم هناك من ذكر أنهم رسل، وهناك من ذكر أنهم أنبياء، وهناك من ذكر أنهم رسل وأنبياء، طبعا هناك مقولة تفيد أن كل رسول نبي، وليس العكس، لكني أتحدث هنا عن كيفية ذكرهم في القرآن.
هناك من ذكر أنهم رسل فقط ولم ترد إشارة إلى غير ذلك. وهم ( هود وصالح وشعيب).
وهناك من ذكر أنهم رسل وأنبياء، مثل (نوح، إبراهيم، لوط، إبراهيم، إسماعيل، يوسف، موسى وهارون، إلياس، يونس، عيسى، ورسولنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام).
وهناك من ذكر أنهم أنبياء فقط ( آدم، إدريس، إسحاق، يعقوب، أيوب، ذو الكفل، هارون، داود، سليمان، إليسع، زكريا، يحيى).
عليهم السلام أجمعين.
لكي نفهم الاختلاف بين مقامي النبوة والرسالة، علينا أن ننظر إلى قائمة الأنبياء فقط. أي الذين لم يذكر أنهم رسل، ونراقب ما هو المختلف فيهم عن الرسل بحيث يجعلهم أنبياء فقط.
في الحالتين هناك وحي من الله عز وجل. هناك نظرة سائدة أن الرسول هو من أمر بالتبليغ والنبي أوحي له لكن لم يؤمر، لكن هذا لا يصمد أمام التدقيق.
ما الذي يجمع هؤلاء مع بعضهم، على الأقل من خلال المعلومات المتوفرة عنهم.
من بين هؤلاء، نعرف يقينا أن إسحاق، يعقوب، داود، سليمان، زكريا، ويحيى، كانوا أنبياء ضمن مجموعة مؤمنة / أو مؤمنة برسالة سابقة على النبي، وكل أنبياء بني إسرائيل كانوا كذلك.
آدم مختلف، لكن لأنه كان الأول، فنبوته كانت بين أشخاص مؤمنين أيضا، وكلهم من نسله.
لا نعرف معلومات عن إدريس أن كان قومه أهل شرك أم من الموحدين. وكذلك المعلومات عن أيوب قليلة، لكن لا شيء يمنع أنهما كانا مثل بقية الأنبياء في هذه الخانة، رضوان اللهم عليهم جميعا.
ماذا عن الرسل فقط؟ صالح هود وشعيب؟
هؤلاء كانت رسالتهم لأقوام مشركين. فقط.
أما أولئك الذين جمعوا الرسالة والنبوة، فهم كانوا أصلا مرسلين إلى قوم شرك، أو قوم كانوا على التوحيد ثم انحرفوا عنه، ثم بعد هذه الرسالة انتقلوا إلى مكان آخر فيه جماعة مؤمنة، أو أنهم كونوا هذه الجماعة المؤمنة بأنفسهم أو ساهموا فيها.
كل من جمع بين الرسالة والنبوة يمتلك هذه الرحلة التي لا تنتهي عند إنذار قومهم، بل بتكوين مجتمع جديد.
نوح، حمل الرسالة إلى قومه، ـ ثم أسس مجتمع جديد كان نبيا فيه.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام مثال واضحا عن ذلك. حمل رسالة إلى قوم مشركين. ثم أسس بنفسه مجتمعا جديدا، وكان نبيا فيه.
إسماعيل، كان نبيا ضمن مجتمعه الذي أسسه والده، لكنه حمل الرسالة إلى قبائل مشركة.
لوط حمل الرسالة إلى قومه، ثم خرج بأسرته، فكان نبيا بينهم.
موسى حمل الرسالة إلى قوم فرعون، ثم خرج بقومه وهم أصلا مؤمنون بربه – مع وجود خلل في إيمانهم- فكان نبيا وحمل رسالة التوراة إليهم كذلك.
عيسى حمل رسالة تصحيح إلى قوم هم أهل كتاب سابق، فكان رسولا، وتكونت حوله جماعة مؤمنة به، فكان نبيا بينهم.
الفرق بين النبوة والرسالة إذن هو في محيطها وسياقها وهدفها. إن كان الهدف هو قوم كفر، فهي رسالة، وإن كان الهدف هو قوم إيمان، فهي نبوة.
وهذا الكلام ليس جديدا.
(وقد اختلف العلماء في تعريف كل من النبي والرسول في الشرع على أقوال أرجحها:
أن النبي: هو من أوحى الله إليه بما يفعله ويأمر به المؤمنين.
والرسول: هو من أوحى الله إليه وأرسله إلى من خالف أمر الله ليبلغ رسالة الله.
والفرق بينهما: أن النبي هو من نبأه الله بأمره ونهيه ليخاطب المؤمنين ويأمرهم بذلك ولا يخاطب الكفار ولا يرسل إليهم).
( أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة ص 157)
يضعنا هذا الفهم في قلب نقاشنا الأصلي عن آيات (يا أيها النبي).
كل هذه الآيات نزلت في المدينة وليس في مكة. أي أنها نزلت عندما تغير محيط وسياق وهدف الخطاب. المرحلة السابقة كان الرسول يحمل رسالة إلى أهل الكفر والشرك، الآن في المدينة أصبح السياق مختلفا تماماـ الأغلبية صارت لمؤمنين، والخطاب بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم أصبح موجها إلى مؤمنين.
حسب هذا الفهم، ولأنها نزلت في المدينة فأن آية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ التحريم(1) تستخدم هذا الخطاب ( أيها النبي) وليس (أيها الرسول) لأن هذا هو الاستخدام الطبيعي لها ما دام السياق قد تحول من الخطاب إلى الكفار إلى الخطاب داخل مجتمع مؤمن، وليس لأن مقام النبوة هو معلومات فقط وليس للتشريع كما يقول د. محمد شحرور ويكرر من يتبعه ولا بسبب النسبي والمطلق وعالم الحقيقة النسبي وبقية مفردات القراءة المعاصرة. يا أيها النبي هو الخطاب الطبيعي عندما يتغير وضع المجتمع من حال الشرك والكفر إلى الإيمان بالشريعة. ولعل هذا يجعلنا نفهم أكثر لفظ النبي، فاللفظ يمكن يشير ليس فقط إلى ( النبأ)، بل أيضا إلى المكان النابيء المرتفع، حيث يمكن للنبي أن يقف ليقول ويعلم ويبلغ، ويشير أيضا إلى الانتقال من مكان إلى آخر، وهذا ما حدث حرفيا في حالة الرسول النبي عليه الصلاة والسلام.
السؤال المنطقي إذن ليس لماذا كان الخطاب بـ (يا أيها النبي)، لأن هذا هو المتوقع في سياق المدينة، بل لماذا هناك مرتان استخدم فيها القرآن لفظ (يا أيها الرسول) رغم أن السياق كان في المدينة أيضا.
المرتان كانتا في سورة المائدة:
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ المائدة(41)
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ المائدة(67)
تفحص السياق يدلنا على السبب الذي جعل الخطاب يستخدم يا أيها الرسول، السياق عن أهل الكتاب الذين كانوا في موقف رفض وكفر برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يكن السياق داخليا ضمن الجماعة المؤمنة، بل كان ضمن مواجهة مع نوع آخر من الكفر، ولهذا كان أسلوب الخطاب (أيها الرسول)…أما آية التحريم فهي ضمن سياق خطاب الجماعة المؤمنة. فكان لا بد أن يكون ضمن (أيها النبي).
ملحوظة: الحديث هنا عن طريقة المخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام. أما لفظ الرسول فبقي في السور التي نزلت في المدينة
يتبع
شحروريات 5: عود ثقاب واحد
في واحدة من لقاءاته قال د. شحرور إن التراث الإسلامي مبني على مفهوم الترادف.
بدت لي الجملة غريبة جدا، التراث الإسلامي مبني على ركائز عديدة وهو يقر بالترادف عموما لكن اختزال الأمر إلى (الترادف) أمر غريب. في البداية فسرت الأمر بواحدة من الاختزالات المخلة الكثيرة للرجل، ولكن اليوم أفهم ما قاله على نحو مختلف. د. شحرور يدرك أن (فرضيته، القراءة المعاصرة) مبنية بأكملها على ( عدم الترادف) فقط، وهذا بالتالي يشكل عيبا قاتلا لها، ولأي فرضية تقوم على مسلمة واحدة فقط. وإنكار الترادف بالنسبة لشحرور مسلمة لا تقبل النقاش داخل منظومته، وكل المنظومة قائمة عليها، لو أن هناك كلمتان فقط بينهما ترادف، أو تبين أنهما صفتان لشيء واحد (كما سيتبين لاحقا) فأن المنظومة الشحرورية ستنهار بأكملها.
وهنا نصل إلى الصفة الثالثة من مواصفات التفكير حسب الآلة الشحرورية: التصلب المعرفي.
هذا التصلب المعرفي يلاحظ في كل شيء كتبه أو قاله شحرور. ولا يمكن معرفة أن كان قد تبنى هذا المنهج بعد أن توصل لفكرته، أم كان هذا الأمر ملازما له شخصيا منذ البداية لسبب ما. الحاصل أن منتجه الفكري يبدو متصلبا جدا، يكاد يكون نموذجا مثاليا لما يعرف ب (strict foundationalism) (التأسيسية الصارمة)، أي المذهب الذي يقوم على مبادئ غير قابلة للنقاش أو التفاوض، وفي حالة منتج د. شحرور، المنتج قائم على مبدأ واحد فقط غير قابل للنقاش.
هذا المنتج المعرفي يقدمه شحرور كبديل لكل مخرجات التراث الإسلامي بكل تنوعاتها وتدرجاتها، ولأنه قائم على فرضية واحدة لا يمكنه المساومة عليها، وهي فرضية ليست مقبولة تماما في هذا التراث، فأنه يصطدم بكل المذاهب الإسلامية اصطداما لا صلح فيه. لا يمكن لهذه المذاهب أن تقبل ببعض ما انتجه شحرور وترفض البعض الآخر، وكذلك لا يمكن لعاقل (قرأ شحرور وفهمه) أن يقبل (فرضيته الأولى) ثم يقول: آخذ ما يقنعني وأرفض ما لا أقتنع به، ويجتهد فيصيب أو يخطئ، أو له ما له وعليه ما عليه. هذا كلام يمكن أن يقال ضمن منظومة معرفية مرنة، مع شحرور، إذا قبلت الفرضية الأولى، فأنت داخل ( نسق معرفي مغلق)، أي أنك تدخل من خلال مسلمة واحدة غير قابلة للمراجعة، إذا ظهر أي تناقض فيعاد تأويلها وتدويرها دون مراجعة المسلمة، معايير الصحة تتم من خلال نفس النسق، ولا يمكن الحكم عليه من خارجه.
ورغم ما يقوله د. شحرور عن جمود التراث التفسيري والفقهي، فأن التراث في الحقيقة، رغم كل المشاكل التي ورثناها فيه، يتعامل مع اللغة كنظام دلالي مرن، بينما يميل د. شحرور إلى تصور أقرب إلى النظام الصارم غير القابل للتداخل. مخرجات شحرور الفقهية ( متفلتة سلوكيا) ولهذا يوحي منهجه بالتحرر، لكن المنهج في حقيقته جامد جدا، يتعامل مع اللغة كما لو كانت قوالب صخرية لا لغة لها دلالات مفتوحة.
لكن كيف نشأ هذا المنهج؟
حسب ما يقول د. شحرور في مقدمة كتابه (ص 46) إنه بقي عشر سنوات يبحث في القرآن عن أسس أولية لمنهج فهم الذكر لتقديم ما يسميه ( نظرة إسلامية أصيلة إلى القرن العشرين ومشاكله) لكنه فشل في ذلك لأنه كان لا يزال أسيرا للمدارس التقليدية والمسلمات المعكوسة، حسب تعبيره.
ثم التقى مجددا بصديق له كان يعرفه أثناء دراسته في الاتحاد السوفياتي، هو د. جعفر دك الباب، الذي كان قد نال شهادة الدكتوراه في اللسانيات من جامعة موسكو، وأطلع د. شحرور عليها، وكانت حول نظرية عبد القاهر الجرجاني، ومن خلال ذلك تعرف د. شحرور على آراء الجرجاني والفراء وأبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني، واكتشف ما يسميه خدعة الترادف وألا ترادف في لسان العرب، وقاده ذلك إلى تكوين منهج القراءة المعاصرة.
من هذا التسلسل، يبدو أن (النظرة الإسلامية المعاصرة إلى القرن العشرين ومشاكله) -حسب توصيف د. شحرور- كانت موجودة مسبقا في ذهنه، ولكنه لم يستطع أن يبرهنها باستخدام الأدوات التراثية التقليدية، ثم وجد ألا ترادف في لسان العرب وأن الترادف خدعة، وقاده ذلك إلى منهجه الذي يستطيع من خلاله إنتاج النظرة الإسلامية الأصيلة، المعدة مسبقا في ذهنه، ولكنه كان يبحث عن طريقة للبرهنة عليها.
بعبارة أخرى، وبالعربي الفصيح، من المحتمل جدا أنه قد تم ترتيب المقدمات، والإطار المفاهيمي، للوصول إلى نتائج محددة مسبقا.
ربما تزيد احتمالية ذلك، ما قاله د. شحرور بنفسه في المقدمة ذاتها ( ص 36-37)، حيث ذكر أنه لم يستطع الوصول إلى وجود ( المطلق الإلهي في المحتوى، والنسبية الإنسانية في فهم هذا المحتوى) في النص، وتقسيم آيات الكتاب إلى ( المحكمات والمتشابهات واللا محكمات واللا متشابهات) إلا بعد أن تم تحديد الفرق بين النبوة والرسالة، وهو الفرق الذي استند بداية على المسلمة الأولى: نفي الترادف.
بعبارة أخرى، التفريق بين النبوة والرسالة كان هو المفتاح الذي احتاجه المنهج لجعل بعض الآيات ( تترك) باعتبارها ضمن ( النبوة)، وأخرى تبقى لأنها ضمن ( الرسالة)، مع العلم أن هذا التفريق لم يشترط وجود لفظ النبي أو الرسول في سياق الآيات، بل يعتمد على التخمين أو ما يسميه د. شحرور، (النسبية الإنسانية في فهم المحتوى).
ضمن مظاهر التصلب المعرفي، نجد مقدمات تستخدم لاستدعاء لنتائج أحيانا لا علاقة لها بالمقدمات، وأحيانا تتناقض معها.
على سبيل المثال، يقول د. شحرور في مقدمته أن منهجه في الكتاب وفي التوصل إلى نتائجه تعتمد على أن ( مصدر المعرفة الإنسانية هو العالم المادي خارج الذات الإنسانية ويعني ذلك أن المعرفة الحقيقية ” غير الوهمية” ليست مجرد صورا ذهنية بل تقابلها أشياء في الواقع، لأن وجود الأشياء في الواقع هو عين حقيقتها….ندعو إلى فلسفة إسلامية معاصرة تعتمد المعرفة العقلية التي تنطلق من المحسوسات عن طريق المحسوسات وعلى راسها ” السمع والبصر” …الكون مادي والعقل الإنساني قادر على إدراكه ومعرفته، ولا توجد حدود يتوقف العقل عندها.. عالم الشهادة وعالم الغيب ماديان وتاريخ تقدم المعارف الإنسانية والعلوم هو توسع مستمر لما يدخل في عالم الشهادة وتقلص مستمر لما يدخل في عالم الغيب…والكون لم ينشأ من عدم بل من مادة ذات طبيعة أخرى مع التأكيد أن لا قديم إلا الله…)( المقدمة ص 42-43)
إذن منهج د. شحرور -بحسب ما يقوله بوضوح-مبني على رؤية معرفية قائمة على المادة والمحسوسات، حتى الغيب بالنسبة له مادي لكننا لم نكتشفه بعد. لكي أكون واضحا، هو لا ينكر الغيب، لكنه يعيد تعريفه بحيث يجعله ” شهادة مؤجلة”. لا أريد الدخول في تفاصيل ودلالات ما قال عن الكون والغيب، فقط أريد أن أثبت أن مصدر المعرفة عنده قائم على رؤية مادية.
لكن كيف يمكن تطبيق هذا المنهج ( المادي)، على ما قاله عن الوحي:
( ..وإن كان هذا الكتاب موحى من الله سبحانه وتعالى على محمد عليه الصلاة والسلام وهو في الوقت نفسه خاتم الكتب وأن محمدا عليه الصلاة والسلام هو خاتم النبيين والرسل فيجب أن يحتوي هذا الكتاب على الخواص التالية:
أ_ إن الله سبحانه وتعالى مطلق وكامل المعرفة ولا يتصف بطابع النسبية وبالتالي فأن كتابه يحمل الطابع المطلق في المحتوى.
ب- بما أن الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة أن يعلم نفسه أو يهدي نفسه وإنما جاء هذا الكتاب هداية للناس وآخر الكتب فوجب أيضا أن يحمل طابع النسبية في الفهم الإنساني له.
ج-بما أن نمط التفكير الإنساني لا يمكن أن يتم بدون لغة فيجب أن يصاغ الكتاب بلغة إنسانية أولا، وثانيا أن تكون هذه الصياغة لها طابع خاص وهو أنها تحتوي المطلق الإلهي في المحتوى والنسبية الإنسانية في فهم هذا المحتوى.) ( ص 36)
هذه النقاط الثلاثة لا اعتراض عندي عليها في جوهرهاـ ولكن ليس بطريقة المقدمة والنتيجة الحتمية التي يتعامل فيها شحرور. يكرر كلمة ( يجب) و (الوجوب) أكثر من مرة. يجب أن يكون الكتاب متصفا بالمطلقية. وجب أن يحمل طابع النسبية. من أوجب هذا الشيء؟ كيف تحولت مطلقية الله إلى مطلقية للنص؟ ممكن نعم وممكن لا، وعندما نؤمن بذلك فسيكون بدلالة النص نفسه، وليس بعلاقة حتمية يفترضها شحرور بين مقدمة لا تحتم النتيجة التي يصل لها. والشيء ذاته في ب و ج.
لكن الأهم من ذلك، كيف يمكن التنسيق بين رؤية مادية تعتبر أن كل ما في الكون – حتى عالم الغيب- مادي، وبين هذه الاستنتاجات ( الميتافيزيقية) عن الوحي وكيف يجب أن يكون أو لا يكون؟ كيف يمكن التنسيق بين هذا المنهج المادي ( بوضوح) وبين الإيمان بالوحي أساسا…لو أنه ترك هامشا في منهجه للإيمان بغيب يتضمن الوحي كإيمان ( قبلي، سابق) ، لكان الأمر متسقا مع نفسه دون تناقض. لكنه يقول إن منهجه قائم على المعرفة المادية، ثم يقدم لنا استنتاجات (غير مترابطة بمقدماتها) وغير منسجمة مع منهجه أصلا.
مشكلة منهج شحرور ليست فقط في قيامه على مسلمة واحدة تقوم مقام عود ثقاب واحد يسند بناءه كله.
بل أن المنهج نفسه يحمل بؤرا للتناقض في داخله.
يتبع
شحروريات 6: إنكار ترادف، حسب التساهيل
أكد د. شحرور في أكثر من مرة وأكثر من مناسبة أن ” قراءته المعاصرة” قائمة بشكل رئيسي على ” إنكار وجود الترادف في ألفاظ القرآن الكريم”، قال ذلك في مقدمة كتابه الأول، وأكده مرارا وتكرارا، وفي واحدة من حلقاته التلفزيونية سأله المقدم عن ” الأدوات المعرفية” التي استخدمها في ” قراءته المعاصرة”، فيقول شحرور بلا تردد: أول أداة معرفية هي إنكار وجود الترادف.
وقتها رد عليه المقدم قائلا إن هذا مبحث كبير وكان فيه نقاش طويل عند أهل البلاغة والنحو واللغة بين مدرسة تثبت الترادف وأخرى تنكره.
ورد د. شحرور بأسف: نعم، وانتصرت مدرسة إثبات الترادف.
وكلام المقدم صحيح في عمومه، وتعليق د. شحرور أيضا صحيح، لكن هذا كله لا علاقة له بالأداة المعرفية التي استخدمها د. شحرور في ” القراءة المعاصرة”.
سياق الكلام يوحي أن د. شحرور فيما قدمه كان جزءا من مدرسة تراثية معروفة وموجودة هزمت بوجه مدرسة أخرى نالت السطوة والنفوذ عند اللغويين والفقهاء في التراث.
لكن هذا ليس حقيقيا، وعلاقة د. شحرور بمدرسة إنكار الترادف التراثية ليست بأقوى من علاقته بمدرسة إثبات الترادف، كل العلاقة بين ما يقوله وبين مدرسة إنكار الترادف (التي من أهم رموزها ابن فارس وابن ثعلب) هو تشابه بالأسماء لا أكثر ولا أقبل، وسأشرح كيف.
الترادف أولا، وبأبسط تعريفاته، هو وجود معنى واحد لأكثر من لفظ. والمثال الشهير هنا هو وجود ألفاظ كثيرة عند العرب للسيف، مثل المهند والحسام والصارم.. إلخ.
مدرسة إثبات الترادف تعتبر أن كل من هذه الألفاظ أسماء لشيء واحد، وأغلب اللغويين والنحاة مع هذا الرأي.
مدرسة إنكار الترادف، تعتبر أن للسيف اسم واحد، وكل الألفاظ الأخرى ” مجرد أوصاف للسيف”.
بعبارة أخرى: الخلاف بين المدرستين نظري فقط، في النهاية، مدلولات الألفاظ عند الطرفين ستشير إلى ” السيف” في كل الأحوال. المثبتون يقولون أسماء، والمنكرون يقولون صفات. وأنا شخصيا لا أرى وجود فرق كبير في الأمر من بعد إذن الجميع.
ماذا عن د. شحرور؟ هو يوحي أنه من مدرسة ” إنكار الترادف” العريقة في التراث، والتي هزمت للأسف.
لكن حسب ” قراءته المعاصرة” هل المهند والحسام والصارم صفات للسيف كما يقول من ينكر الترادف في التراث؟
لا. حسب د. شحرور. للسيف اسم واحد (وفي هذا يتفق مع المنكرين) أما المهند والحسام والصارم فربما تكون معانيها: سكين المطبخ، المنجل، قلامة الأظافر. أقول هذا بلا مبالغة ولا مزاح، والمطلعون على نتائج القراءة المعاصرة يعرفون تماما ما أقصده، بعض ” مخرجات” شحرور لا تقل بعدا عن اللفظ الأصلي من بعد الطائرة عن السيف (مثل لفظة ملك اليمين على سبيل المثال).
فلنفترض أن د. شحرور لم يدع وصلا بمدرسة إنكار الترادف التراثية (التي علاقته بها علاقة تشابه أسماء فقط)، هو أوجد (بمشاركة د. جعفر دك الباب الذي قدم للكتاب) نظرية جديدة تنكر الترادف تماما، وتفترض أن لكل لفظ في اللغة يشير إلى معنى مختلف تماما عن أي لفظ آخر يتوهم مثبتو الترادف اشتراكه في المعنى ذاته.
من ناحية المبدأ، هذا من حقه، لكن إنكار من هذا النوع في أحسن أحواله ” مجرد فرضية”، ولكي تتحول الفرضية إلى نظرية متماسكة عليها أن تمر بمراحل كثيرة.
في الوقت نفسه، ولأن جانب كبير من “القراءة المعاصرة” حسب د. شحرور مبني على هذه ” الفرضية”، فأن سقوط الفرضية يقود أغلب القراءة المعاصرة إلى طريق مغلق تماما.
ما الذي تحتاجه ” فرضية إنكار الترادف بالمعنى الشحروري” لكي تكون ” نظرية متماسكة”؟
الفرضية هنا هي رأي يفسر بعض الظواهر الطبيعية (اللغوية في سياقنا هنا) وهذا الرأي قد يكون مبنيا على بعض الملاحظات العميقة، لكنها مجرد ملاحظات جزئية لا تحول الفرضية إلى نظرية.
تحتاج الفرضية لكي تتحول إلى نظرية علمية إلى:
أولا – أن تمتلك ما يكفي من الأدلة على صحتها، أي أن تكون قابلة للتطبيق والنجاح في كل السياق اللغوي القرآني، حيث تحتاج الفرضية أن تطبق على كل الألفاظ التي يزعم ترادفها في القرآن الكريم، وتخرج بنتائج متماسكة توضح معني كل لفظ بحيث يكون منسجما مع كل سياق يرد فيه، لا أن ينجح ” معنى اللفظ” في سياق ويفشل في سياق آخر.
ثانيا- أن تقدم هذه الفرضية أجوبة أكثر على أسئلة لم تستطع النظرية السابقة أن تجد لها حلا.
فهل استطاعت فرضية د. شحرور تحقيق هذين العاملين الأساسيين؟
بخصوص العامل الأول، اعترف د. شحرور بأن هذا لم يحدث. فعندما سئل مباشرة عن وجود ألفاظ مترادفة لم تستطع ” القراءة المعاصرة” إيجاد مخرج لها، قال بالحرف: إن لم نقف على الفرق بين المفردتين فلا يعني ذلك أن الترادف واقع، فهناك الكثير من المعاني التي نجهلها، والمعنى والدلالة تختلف باختلاف السياق.) انتهى.
والإحالة إلى السياق هنا تكاد تنسف الفرضية من جذورها، لأن الإحالة إلى السياق يمكن أن تستخدم في كل السياقات التي أصر شحرور بنفسه على تجاهلها لأجل إثبات معنى معين يتعلق باللفظ الذي وضعه تحت المجهر رغما عن السياق.
ليس هذا فقط: د. شحرور أيضا يمكن أن يجد ” أكثر من معنى للفظ واحد” عندما يجد أن ” فرضيته” قد أوصلته لنتيجة في سياق، ثم فشلت في سياق آخر.
مثلا لفظ النساء…في آية ” زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ آل عمران(14) يقول د. شحرور أن لفظة “ النساء” هنا تعني ” التأخير”، جمع ” نسيء” ومن ثم يصل إلى أن التأخير يعني ” الحديث”، أي الصرعات والموضات الحديثة، أي أن الآية هنا تتحدث عن الهوس بالسلع والبضائع الجديدة. (لا أمزح هنا هذا ما قاله بالفعل).
ولكنه في آية 11 من سورة النساء(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ) يعود إلى أن لفظ النساء تعني جمع امرأة.
لماذا لم يكن الأمر كذلك في المثال الأول: حسب د. شحرور لأن الآية أشارت إلى النساء بكونهن ” متاع الحياة الدنيا”، وقرر أن المتاع هنا هو السلع، وهذا لا يجوز لأن فيه تقليل من قيمة ومكانة المرأة (لماذا لم يدقق أكثر في لفظ متاع ليخرج بمعنى آخر مثلا؟) وهو في الوقت ذاته يقع في عدة تجاهلات أخرى..
أولا- يتجاهل السياق التاريخي الذي كانت المرأة فيه بالفعل تعاني من التعامل كسلعة. وهو أمر لا تزال المرأة تعاني منه في العالم كله شرقا وغربا. لا تزال المرأة تستخدم كجسد في الدعاية والترويج لأبسط أنواع السلع حتى التي لا علاقة لها بالمرأة.
ثانيا – يتجاهل أن الفعل ” زُين للناس” مبني للمجهول على نحو لا يشترط بالضرورة أن يكون التزيين جاء من ناحية الخلق أو الفطرة. بل يمكن أن يكون قد حدث من سياقات اجتماعية سائدة.
ثالثا – يتجاهل أيضا أن ” هوس الجديد” هو نتاج للحضارة الاستهلاكية التي أوهمتنا أن هذا الهوس هو الطبيعي والفطري، بينما لم يكن الأمر كذلك حتى مطلع القرن السابق، سابقا كانت النظرة إلى القديم أنه الأفضل والأكثر ثمنا وقيمة. في السابق كانت الفكرة old is gold ومع انتشار الثقافة الاستهلاكية أصبحت الحاجة لتدوير عجلات المصانع والأرباح تتطلب التخلي عن القديم وشراء كل ما هو جديد وانتشرت عبارة as good as new (جيد كأنه جديد) التي ترمز إلى فكرة ارتباط الجودة بكل ما جديد…لكن هذا لم يكن سائدا قبل ذلك، بل لا نزال نذكر كلام أمهاتنا أو جداتنا عن كون البضاعة الأقدم هي الأفضل وأن الشيء الفلاني من زمن جدي. إلخ.
بخصوص العامل الثاني: هل قدمت الفرضية أجوبة مقبولة أكثر على أسئلة فشلت ” مدرسة إثبات الترادف” في الإجابة عنها؟
على العكس. لم تقدم أجوبة مقنعة، بل أثارت أسئلة دون أن تستطيع الإجابة عنها، بل وتجاهلت حقيقة أن الترادف (أو على الأقل أنواع منه) ظاهرة لا تخص اللغة العربية فحسب، بل هو ظاهرة واضحة المعالم في الكثير من اللغات الأخرى (الإنجليزية مثلا) وهذا أمر طبيعي جدا ويمكن أن يعد دلالة على حيوية اللغة ومرونتها.
بل ويمكن تفسير ظاهرة الترادف في اللغة العربية بما أورده بعض الباحثين من ( تعدد اللهجات العربية التي أسهمت في تشكيل اللغة العربية الفصحي الموحدة، وذلك عن طريق احتكاك لهجة قريش بلهجات القبائل الأخرى، الموزعة في أطراف جزيرة العرب وأكنافها، وذلك لأن مكة كانت تعتبر قبل الاسلام، مركزاً دينياً وتجارياً وأدبياً وسياسياً، وقد ” كانت قريش مع فصاحتها، وحُسن لغاتها، ورقة ألسنتها، اذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم واشعارهم أحسن لغاتهم، واصفي كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات الي نحائزهم، وسلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب”).
كذلك يمكن فهم الأمر من خلال حدوث الاقتراض من اللغات الأخرى: الشقيقة، والأجنبية، حيث دخلت جماعات لغوية أجنبية كثيرة في البيئة العربية، فشاعت المفردات الاجنبية فيها، واستعملت الي جانب العربية. وقد جاء في المزهر للسيوطي وفقه اللغة للثعالبي نماذج من المفردات الأعجمية المستعملة في العربية
الكوز، والابريق: من الأواني.
والخز، والديباج: من الملابس.
والياقوت، والبلور: من الجواهر.
والنرجس، والبنفسج، والسوسن، والياسمين: من الرياحين.
والمسك، والعنبر، والكافور، والصندل، والقرنفل: من الطيب. وغيرها كثير. وكلها كلمات ” عربت” وأصبحت ضمن مفردات العربية ولسان العرب واستخدم بعضها في القرآن الكريم.
كذلك هناك تطور لغوي (تتغير بعض الأصوات مع التقادم) وتطور دلالي ( بعض الصفات تتحول إلى أسماء) وكلها عوامل ” طبيعية” تجاهلها د. شحرور في بناء فرضيته.
*****
يستند بعض أتباع د. شحرور أصلا في الترويج لرفض فكرة الترادف عبر القول إن ” الشارع الحكيم لن يستخدم لفظين لمعنى واحد” وهو قول لا يخلو من جاذبية عاطفية، لكن الشارع الحكيم ذاته قال في القرآن وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إبراهيم (4) فإذا كان الترادف من خصائص هذا اللسان فأنه من الطبيعي أن تحتوي الرسالة المنزلة على ” ترادف” كما تحتوي على خصائص لسان القوم الأخرى. هذا في حالة تسليمنا بوجود الترادف مطلقا في كل ما قيل عنه ذلك، علما أن الكثير من الألفاظ تملك مشتركا من المعاني وتزيد عليها زاوية أو صفة أو لمحة إضافية في هذا اللفظ أو ذاك، أي أنها تقترب مع بعضها دون ان تتطابق تماما.
في تصوري الشخصي أن د. شحرور في تبنيه لإنكار الترادف تماما انطلق من فكر هندسي رياضي لا يتعامل إلا مع ألفاظ لا يمكن أن تعني إلا شيء واحد فقط. لا أريد أن أقلل من شأن العقلية الهندسية أو الرياضية هنا إذ أصفها بالمادية المباشرة، لكني فقط أشير إلى أن هذه العقلية أكثر نجاحا عندما تتعامل مع ماديات..
أما مع اللغة، بكل ما يتصل فيها من أحوال البشر وتطور ألسنتهم. فالأمر لا يعدو أن يكون فرضية لا يقوم عليها بناء متماسك..
بالنسبة للكثير من أتباع د. شحرور فأعتقد أن نتائج ” القراءة المعاصرة” هي التي جذبتهم له أكثر من إنكار الترادف.. لو أن قراءة شحرور المعاصرة أنتجت على سبيل المثال: وجوب النقاب. أو وجوب الزواج من أربع نساء. هل كنا سنرى له نفس الصدى والدعم والاهتمام؟ أشك في ذلك.
****
مشكلة هذه القراءة المعاصرة أنها تجعلنا نتعامل مع القرآن ككتاب شيفرات لم يتوصل أحد إلى حلها إلا بعد أكثر من 1400 سنة على نزوله..
هناك من يرغب في التعامل مع القرآن كما لو أننا نعيش في رواية لدان براون…حيث نستكشف أسرارا لم يعرفها أحد منذ قرون..
للأسف، هذا قد يكون مثيرا في الروايات ومحققا لأعلى المبيعات.
لكنه ليس مجديا في التعامل ” الواقعي” مع الواقع.
يتبع
شحروريات 7: أ أرنب ب بطة
من أهم منجزات د. شحرور وصوله إلى اكتشاف لم يعرفه أحد قبله في الألف وأربعمائة سنة التي سبقته، وهي أن القرآن الذي بين أيدينا ليس المصحف الذي نعرفه، وأن الكتاب لا يعني الكتاب بل يعني مجموعة كتب، واحد منها فقط القرآن.
كان هذا التفريق ( المبني أصلا على زعم إنكار الترادف) أمرا مركزيا في استراتيجية د. شحرور للوصول إلى النتائج التي وصل لها في مخرجات آلته الفقهية. لن يزعم (مثل سواه) أن بعض الأحكام تاريخية مرتبطة بزمانها، بل سيقول إن هذه الأحكام أصلا ليست من القرآن، بل هي من أجزاء أخرى ضمن المصحف، ولكنها ليست من القرآن.
لو حاولت أن تعبر عن استغرابك من هذا الهراء (وهو الوصف الأنسب له برأيي، دون أي تحفظ أو تردد)، فأن د. شحرور وأتباعه سيذكروننا بمثال الصورة المعكوسة التي تبدو صحيحة، واعتقاد الناس أن الشمس تدور الأرض إلى أن جاء من برهن لهم على العكس. ما فات د. شحرور هنا أن هناك من كان يقول إن الأرض موضوعة على صخرة والصخرة موضوعة على قرن ثور. ما يقدمه د. شحرور أقرب إلى هذا القول منه إلى دوران الأرض حول الشمس.
يبدأ د. شحرور من أول السطر، من الألف باء، عندما يشرح لنا ماذا تعني كلمة كتاب، فإذا بالفعل (كتب) له معنى مختلف غير الذي نعرفه جميعا.
يقول د. شحرور: ( الكتاب من ” كتب” والكتاب في اللسان العربي تعني جمع أشياء مع بعضها لإخراج معنى مفيد، أو لإخراج موضوع معنى متكامل). انتهى الاقتباس.
اللسان العربي يقول هذا؟ يقول كتاب يعني جمع أشياء مع بعضها لإخراج معنى مفيد؟
الحقيقة اللسان العربي بكل معاجم العربية بريء من هذا المعنى براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
يزعم د. شحرور أنه يعتمد في شروحه على معجم مقاييس اللغة لابن فارس، فماذا يقول ابن فارس عن كتب: (كَتَبَ) الْكَافُ وَالتَّاءُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى جَمْعِ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ. مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالْكِتَابَةُ. انتهى اقتباس ابن فارس.
جمع شيء إلى شيء، هناك ينتهي اقتباس ابن فارس. من أين جاء د. شحرور بـ ( جمع أشياء مع بعضها لإخراج معنى مفيد؟). ليس من ابن فارس ومعجمه بالتأكيد. بل من فرط ثقته بنفسه، متكلا على ثقته بكسل قرائه (حتى لا أقول شيئا آخر).
يكمل ابن فارس: مِنَ الْبَابِ الْكِتَابُ وَهُوَ الْفَرْضُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ، وَيُقَالُ لِلْحُكْمِ: الْكِتَابُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «أَمَّا لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» “، أَرَادَ بِحُكْمِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} [البينة: 2] . {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 3] ، أَيْ أَحْكَامٌ مُسْتَقِيمَةٌ. انتهى الاقتباس
لكن د. شحرور سيتجاهل كل هذا، لأنه يأخذ من ابن فارس ما يناسبه ولو لم يتم جملة الاقتباس، ويضيف عليها ما يشاء ليضعه في خدمة مشروعه ومخرجاته الفقهية.
بغض النظر، مفردة (كتب) تعني في مفهومنا شيئا مختلفا عما قاله شحرور، وعما قاله أيضا ابن فارس (فشحرور يأخذ كلمة من ابن فارس ويزيد عليها)، لكن في النهاية ما قاله ابن فارس عن كلمة ( كَتَب) هو (جمع شيء إلى شيء)، بينما في مفهومنا هو ما نعرفه عن الكتابة وأول ما يأتي في الذهن عندما نقول الفعل كتب، وما قاله ابن منظور في لسان العرب: كتب: الكِتابُ: مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ كُتُبٌ وكُتْبٌ. كَتَبَ الشيءَ يَكْتُبه كَتْباً وكِتاباً وكِتابةً، وكَتَّبه: خَطَّه.
كيف انتقل المعنى بكتب من (جمعَ) إلى (خطّ)؟
هذا ما يعرف في علم الدلالة الانتقال من الفعل المادي المباشر إلى المعنى الاصطلاحي.
فما بدأ بالجمع (شيء إلى شيء…وهو معنى لا يزال يملك بعض الآثار المستمرة لغويا) تحول إلى جمع الرموز والحروف لتكوين الكلمات، ومن ثم تحول إلى نقل هذه الرموز إلى جلد الأديم أو أي وسيلة كانت تستخدم في الكتابة، أي تحول المعنى إلى الخط.
هكذا يبدو الأمر طبيعيا، لا مشكلة فيما عرّف به ابن فارس مفردة كتب، المشكلة في إضافات د. شحرور الذي أخذت المعنى إلى شيء آخر تماما لا علاقة له لا بالمعنى المادي المباشر ولا المعنى الاصطلاحي.
يكمل د. شحرور في شرحه لمفردة كتاب:( … ونقول مكتب هندسي أي هو مكان تتجمع فيه عناصر إخراج مشروع هندسي من مهندس ورسام وخطاط وآلة سحب وهي العناصر اللازمة لإخراج مخططات هندسية). انتهى الاقتباس.
الرجل جاد ويتحدث بثقة، يتحدث لنا عن المكتب الهندسي المعاصر ليشرح لنا معنى الكتاب كما يريده أن يكون، وكذلك مكتب المحاماة. وهو يمضي في ذلك فيقول: عن ( ” إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا” فأن الصلاة هي من “المواضيع التعبدية”، وبما أنه أوحى إلى محمد عليه الصلاة والسلام عدة مواضيع مختلفة كل موضوع منها كتاب، قال “رسول من الله يتلو صحفا مطهرة. فيها كتب قيمة” فمن هذه الكتب القيمة: كتاب الخلق، كتاب الساعة، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب المعاملات. إلخ.) انتهى الاقتباس.
ثم يستمر: (فأعمال الإنسان كلها كتب، ككتاب المشي وكتاب النوم وكتاب الزواج وعباداته كتب/ ككتاب الصلاة والحج والزكاة والصوم، وظواهر الطبيعة كلها ككتاب خلق الكون وكتاب خلق الإنسان…إلخ) انتهى الاقتباس.
تزويق لفظي لا أرى فيه أي جمالية ولكن المشكلة ليست في ذلك، بل في ربطه بالكتاب، أي بالقرآن، الذي يقول شحرور أنهما مختلفان.
ها هو يقول: (.. وعندما قال ” وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا” فأنه عنى كتاب الموت، أي مجموعة العناصر التي تؤدي إلى الموت في حال توفرها واجتماعها” الشروط الموضوعية للموت). انتهى الاقتباس.
تحويل هذه الآية إلى شروط موضوعية للموت وكتاب الموت لفة بعيدة جدا، والمعنى المباشر الذي يفهم من الآية (الموت حتمي وله توقيت محدد) أقرب وأكثر منطقية من كتاب الموت ودوران شحرور حول نفسه وحول القاريء.
ولكن فجأة يحول د. شحرور هذا الطرح إلى طرح تصعيدي يعكس رغبته في التسلط على عقل القارئ.
يقول”.. وعليه فمن الخطأ الفاحش أن نظن أن عندما ترد كلمة كتاب في المصحف أنها تعني كل المصحف. لأن الآيات الموجودة بين دفتي المصحف من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس تحتوي على عدة كتب (مواضيع ) وكل كتاب من هذه الكتب تحتوي على عدة كتب فمثلا كتاب العبادات يحتوي على كتاب الصلاة وكتاب الصوم وكتاب الزكاة وكتاب الحج وكتاب الصلاة يحتوي على كتاب الوضوء وكتاب الركوع وكتاب السجود…فمجموعة المواضيع التي أوحيت إلى محمد عليه الصلاة والسلام هي مجموعة الكتب التي سميت الكتاب ويؤيد ذلك أن سورة الفاتحة تسمى فاتحة الكتاب” انتهى الاقتباس.
د. شحرور يفترض فرضية لا أساس لها، ثم يبني عليها احتمالات، ثم يلتفت ليقول لنا أن من ( الخطأ الفاحش) التصور أن الكتاب هو القرآن. هو لا يعرض فكرته باعتبارها فكرة قابلة للصواب أو الخطأ، كأي رأي شخصي إنساني، بل يقدمها باعتبارها الصواب المطلق الذي فات كل المسلمين معرفته منذ وقت نزول القرآن إلى أن اشرقت الفكرة في رأس د. شحرور.
وهو يقدم الأمر باعتبار الكتاب هو مجموعة كتب ( مواضيع) نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام مثل كتاب الصلاة والصوم إلخ، وهو هنا يناقض نفسه بنفسه، فهو يعرف تماما أن الآيات التي تتحدث عن الصلاة والصوم نزلت متفرقة في عموم آيات الكتاب، ولم تأت مجتمعة في سورة واحدة ( أو في كتاب واحد كما يقول)، وهذا بالضبط يناقض لتعريف د. شحرور للكتاب بأنه الجمع، لأن هذه الآيات لم تجمع في كتاب واحد.
أغرب ما قاله د. شحرور في الاقتباس أعلاه هو ما انتهى به: …فمجموعة المواضيع التي أوحيت إلى محمد عليه الصلاة والسلام هي مجموعة الكتب التي سميت الكتاب ويؤيد ذلك أن سورة الفاتحة تسمى فاتحة الكتاب”
كيف يؤيد ذلك أن الفاتحة تسمى فاتحة الكتاب؟
شحرور يقول أن الكتاب هو مجموعة كتب.
ويؤيد ذلك أن الفاتحة سميت فاتحة الكتاب؟
ما الرابط العجيب بين الأمرين.
لو أن الفاتحة سميت بفاتحة الكتب، لكان هذا دليلا يمكن مناقشته.
لكنها سميت فاتحة الكتاب. بصيغة المفرد. فكيف تعني أن الكتاب هو مجموعة كتب؟.
والله المستعان..
يتبع.
شحروريات 8: أحمد والحاج أحمد
يبني شحرور جزءا أساسيا من “الشيء” الذي قدمه على أساس التفريق المزعوم به بين ” الكتاب” و” القرآن”.
شحرور يقول إن ما بين دفتي المصحف هو الكتاب، لكن القرآن جزء فقط من هذا الكتاب.
كلام يبدو مثل مزحة سخيفة؟ نعم، ولكن هناك من يكرره ويدعي تصديقه.
كيف حاول البرهنة على هذه المزحة؟
يقول إن سورة البقرة ابتدأت بـ ” ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ”
ثم لاحقا في السورة ذاتها جاءت آية: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ
وبما أن الكتاب ( هدى) للمتقين ، والقرآن ( هدى) للناس، والمتقون ناس ولكن ليسوا كل الناس، فإذن القرآن هو للعموم…والكتاب هو لفئة محددة، وبالتالي نصل إلى النتيجة الحاسمة حسب د. شحرور: الكتاب ليس القرآن…بل هو القرآن و” أشياء أخرى”.
قبل أن أثبت أن هذا كلام يصعب التعامل الجدي معه لفرط سذاجته، أريد أن أشير إلى أنه متناقض حسب اللامنطق الشحروري ذاته. الكلام يغالط د. شحرور فيه ذاته.
حسب ما فهمه الدكتور شحرور: الكتاب للمتقين فقط، والقرآن للناس كافة.
أي الكتاب لفئة معينة من الناس، بينما القرآن لهم جميعا.
حسب د. شحرور أيضا: الكتاب يضم القرآن وكتب أخرى. الكتاب هو الكل. والقرآن جزء من الكل.
أي أن القرآن (حسب د. شحرور) هو جزء من الكتاب.
ولكن لو كان هذا صحيحا، لوجب أن يكون الكتاب للناس (لأنه الأكبر الذي يضم القرآن حسب شحرور) والقرآن للمتقين (لأنهم جزء من الناس).
ولكن الآيات الكريمة تخالف ذلك، مما ينسف معادلة د. شحرور من أساسها. معادلة أن الكتاب= القرآن + كتب أخرى.
أو بعبارة أخرى تنسف مقولة: أن الكتاب ليس القرآن ذاته.
*****
ما يعجز د. شحرور عن فهمه هنا أن الناس في تعاملهم مع الهدى درجات، وفي تقواهم درجات، بل أنهم درجات في ذلك ضمن رحلة حياتهم وليسوا دوما على نفس الدرجة من الإيمان والتقوى، وأن المنارة التي تشير إلى السفن في البحر تكون للجميع، ولكن إذا كان ربان سفينة مصرا على تجاهلها، فأنه لن يلبي هداها وإشاراتها.
يعجز د. شحرور عن فهم هذه البديهيات الإنسانية التي تجعل الفرق في الإنسان نفسه، وليس في فرق مزعوم بين اسمين لمسمى واحد. الكتاب والقرآن.
***
علي أن أعترف أني لا أفهم كيف يمكن لشخص عاقل (وأشدد على كلمة عاقل) أن يتقبل هذه النتيجة( الكتاب ليس القرآن) إذا كان يمتلك أبسط أدوات التحليل والاستدلال…
هذه النتيجة ” الحاسمة” التي بنى شحرور عليها الكثير يقدمها مبنية على آيتين فقط، وليس على استقراء لآيات القرآن الكريم ككل، للوصول إلى نتيجة مترابطة، وهو بالضبط عكس ما يدعيه في مقدمته..
لو أخذنا عينة من آيات أخرى لوجدنا أن اللفظين يتبادلان الوظيفة ذاتها في أكثر من موقع، ولا إشكال في ذلك لأنهما يدلان على الشيء ذاته…
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فصلت(44)
القرآن هنا في هذه الآية هدى للذين آمنوا، وهم فئة من الناس وليس كل الناس.
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ آل عمران(4) ( آل عمران 3-4)
وهنا الكتاب هدى للناس، بينما في عدسة د. شحرور القرآن فقط هو هدى للناس. مرة أخرى أذكر أن الرجل يعتبر اللفظين لا يشيران إلى المعنى ذاته.
طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) النمل (1-2)
وهنا القرآن والكتاب، هدى للمؤمنين.
الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) لقمان (1-3)
وهنا الكتاب هدى للمحسنين. وهم جزء من الناس، أقرب إلى المتقين منهم إلى عموم الناس.
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأعراف(52)
وهنا الكتاب هدى للمؤمنين.
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) الإسراء
وهنا القرآن بشارة للمؤمنين، وهم ليسوا كل الناس.
﴿الر. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ الحجر 1
﴿طس.تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ النمل 1
وهنا يتبادل اللفظان في تطابق تام. تلك آيات الكتاب تقابلها تلك آيات القرآن. ثم قرآن مبين تقابلها كتاب مبين.
الحقيقة أني لا أصدق أني أشرح الأمر وأقدم عليه براهين!
ثم نصل إلى :
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) الزخرف (1-3)
جعلناه قرآنا عربيا.
الهاء في جعلناه تعود إلى ماذا؟
إلى الكتاب المبين. ليس ( كتابا مبينا) حتى يخرج من يقول هذا واحد من الكتب. بل الكتاب المبين. أل التعريف. الكتاب.
الهاء إلى ماذا تعود يا حبيبي؟ ركز معي. تعود إلى الكتاب.
جعلناه ماذا؟
جعلناه قرآنا عربيا.
ماذا يعني هذا؟ جعلنا ماذا قرآنا؟
جعلنا الكتاب قرآنا.
يعني الكتاب هو القرآن. لقد جعله الله كذلك.
لا أزال لا أصدق ما أفعله.
والله المستعان.
***
وتخيلوا معي أن اعتراضات المشركين وكفار قريش لم تكن على كل الآيات والسور الكريمة بمجملها، بل على جزء فقط منها، الجزء الذي يسميه د. شحرور القرآن حسب تقسيمه ومنطقه الذي لا علاقة له بالمنطق.
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا الإسراء(46)
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا الفرقان (32)
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فصلت(26)
فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) الانشقاق (20-22)
حسب د. شحرور الذين كفروا كانت لديهم مشكلة مع القرآن فقط وليست مع كتاب أم الكتاب مثلا أو السبع المثاني أو تفصيل الكتاب وهي كتب أخرى يزعم د. شحرور أنها ضمن ( الكتاب). أبو جهل كانت مشكلته مع جزء من الكتاب. هذا ما نفهمه عندما نحاول تطبيق ما يزعمه د. شحرور على القرآن.
***
كيف وصل د. شحرور إلى هنا؟
سأحسن الظن وأقول إن ضعف لغته العربية كان لها دور في هذا. د. شحرور ( عربي زعيف) وهذا واضح لكل من يقرأ له أو يضطر لسماعه في مقابلاته، وضعف العربية قد يتضمن خللا في فهم طبيعة اللغة وروحها. الرجل غير قادر على فهم المعاني المجازية أو الاصطلاحية، يعتبر أن ( أحسن الحديث) هو كتاب منفصل من الكتب التي أودعت في الكتاب، لا يعتبره صفة. لا يعتبره وصفا للآيات، بل يعتبره شيئا منقسما منفصلا عن القرآن مثلا، ولسبب ما يعتبره جزءا من السبع المثاني والذي هو أيضا مستقل عن القرآن. قائمة العجائب والغرائب فيما يفهمه د. شحرور من الألفاظ طويلة وليس هنا مجال سردها.
العجز عن فهم تعدد صفات الموصوف، قد يقود إلى هذه الفوضى في الفهم. أحيانا تضطر أن تبذل جهدا لكي تشرح أن أحمد هو هوَ الحاج أحمد. وتجد أن المقابل يصر إصرارا على أن أحمد والحاج أحمد شخصان مختلفان. يهديك يرضيك. أبدا. لقد أقسم ألا يفهم ووجدت نفسك عالقا في نقاش معه. كفارة إن شاء الله.
****
جوهر الأمر لا علاقة له بالترادف أو بنفيه. القرآن نفسه يشرح لنا الأمر:
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) القيامة (16-18)
لا تحرك به لسانك لتعجل به. ما هو؟ ما هو الذي لا تحرك به لسانك؟
الوحي. كل ما بين دفتي المصحف.
ثم تكمل الآيات: إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه.
اللحظة التي يُقرأ فيها الوحي، يصبح اسمه قرآنا. كل الوحي. الصيغة المقروءة التي تلاها الرسول عليه الصلاة والسلام هي القرآن. وهي تشمل كل ما في المصحف. كل الكتاب. القرآن هو هذه الصيغة المقروءة المعادلة لكل ما في المصحف والمساوية المطابقة للكتاب.
****
العجيب أن د. شحرور، قد فهم أن لفظ ( الذكر) معادل لكل ما في الكتاب وما بين دفتي المصحف، وقال عنه إنه (الصيغة الصوتية التعبدية للكتاب كله).
لماذا لم يعامل لفظ القرآن بنفس الطريقة، فيكون الصيغة المقروءة لكل ما في الكتاب؟
لا نعرف. لكن هذا كان غالبا سيؤثر على المخرجات اللاحقة. وكل الرهان كان على المخرجات لا على طريقة الوصول لها.
***
الآية الوحيدة التي يمكن أن تجد من يوظفها لصالح نظرية الكتب المتعددة هي آية
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) البينة (1-3)
يمكن لقائل أن يقول، هنا كتب قيمة، إذن هي القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني كما يقول د. شحرور..
لكن السياق يتحدث مع أهل الكتاب، الذين وصلتهم كتب من قبل، وهذا الرسول جاء بما في الصحف الأولى، كما في سورة الأعلى، والصحف الأولى احتوت على الكتب القيمة التي تضمنها القرآن لأنه جاء مصدقا لها.
القرآن يتضمن ما جاء في التوراة والإنجيل والزبور. كتب قيمة.
****
في فوضى التصنيف التي أنشأها د. شحرور، يضع الفرائض والحدود والعبادات ضمن ما يسميه (أم الكتاب). وهو كتاب آخر غير القرآن بحسب دكتور شحرور. ضمن المخطط الشحروري في بداية الكتاب، أم الكتاب والقرآن يبدوان كما لو كانا أبناء عمومة من الدرجة الثانية.
الفرائض أين؟ في أم الكتاب، وليس في القرآن. حسب الدكتور شحرور.
أما القرآن فيقول:
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ القصص(85)
فرض. القرآن. عليك.
وسلامتهم وكل الدعم.
يتبع.
شحروريات 9 : عن شق الجيوب ومصائب أخرى، +18
لو أن د. شحرور اكتفى بتقديم الإطار النظري لأفكاره، دون أن يحاول تطبيقها فقهيا، لربما كان بقي في الموضع الذي يستحقه بجدارة: في طي النسيان.
ولو أنه اختار مجالا فقهيا غير الذي اختاره، لحصل على عدد أقل من المؤيدين والمهاجمين على حد سواء.
لكنه اختار مجالا يلفت له الانتباه، ويجمع حوله مؤيدين، حتى لو لم يفقهوا كلمة من إطاره النظري. ويحشد بالطبع أعداء له.
من كل أبواب الفقه، اختار د. شحرور فقه المرأة.
وفقه المرأة مهم بلا شك. وكذلك كل ما يتعلق بفقه الإنسان عموما أيضا، رجلا كان أو امرأة.
لكن د. شحرور اختار فقه المرأة ليكون المدخل الذي سيمنح أفكاره الاهتمام بنوعيه. الإيجابي والسلبي.
يمكن أن يكون الأمر تقديرا منه للمرأة ومكانتها في المجتمع ولرفع الظلم الواقع عليها.
ويمكن أيضا أن يكون لنفس السبب الذي يجعل شركات التسويق والإعلان تستخدم المرأة في الترويج لأي منتج أو سلعة بغض النظر عن علاقته بالمرأة. سيارة. عقار. معجون أسنان. أي شيء يباع وله سعر، تستخدم المرأة كطعم لتسويقه.
وحده الطرح الذي قدمه د. شحرور لفقه المرأة من منظوره يمكن أن يكشف لنا إن كان اختياره للمرأة كنموذج تطبيقي في كتابه الأول كان بسبب الإيمان بقضيتها،
أو إن كان ذلك لجلب الانتباه لقضيته هو.
أي كما تفعل شركات التسويق.
***
قراءة د. شحرور للآية 31 من سورة النور هي التي ستمنحه كل شهرته. صفحتان فقط من أصل 800 صفحة قدمتا للدكتور كل ما يحتاجه من انتباه. لو أنهما سقطتا سهوا من الكتاب أو لأي سبب آخر، لكان من المستبعد جدا أن يقلب كتابه أحد عدا أن يستوقفه شيء فيه.
الآية هي:
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ النور (31)
فماذا قال د. شحرور عن هذه الآية؟
اقتباس
(… فإذا كانت الزينة مكانية فتجسد المرأة كله زينة، والزينة هنا حتماً ليست المكياج والحلي وما شابه ذلك، وإنما هي جسد المرأة كله. هذا الجسد يقسم إلى قسمين:
قسم ظاهر بالخلق: لذا قال: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، فهذا يعني أن هناك بالضرورة زينة مخفية في جسد المرأة. فالزينة الظاهرة هي ما ظهر من جسد المرأة الذي أظهره الله سبحانه وتعالى في خلقه كالرأس والبطن والظهر والرجلين واليدين، ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة عراة دون ملابس. (انتهى الاقتباس من كتاب د. شحرور، ص605- 606).
ماذا يقول الدكتور هنا؟
يقول إن جسد المرأة كله زينة. وهو أمر يستحق التوقف والتأمل من قبل أخواتنا النسويات قبل أي أحد، فهذه النظرة التي تعامل المرأة كأنها زينة، سلعة، بضاعة تستحق الرفض من قبلهن حسب معاييرهن ومفاهيمهن قبل أي أحد.
وهي ليست مجرد كلمة قالها د. شحرور دون أن يقصد. بل يبني عليها كل ما يلي.
جسد المرأة كله زينة.
وهناك ما يظهر من هذه الزينة، حسب هذه الآية ( إلا ما ظهر منها)، وما دام هناك ما ظهر من الزينة، فهناك ما لم يظهر، وهو ما يسميه د. شحرور الزينة الخفية.
ولأننا نعلم أن الله خلقنا عراة دون ملابس، كما قال د. شحرور ونشكره على توضيحه هذا، فأن الظاهر من زينة المرأة (الذي هو كل جسد المرأة) هو كل ما ظهر من جسد المرأة. الرأس والبطن والظهر والرجلين واليدين. الجسد كله. هذا ظاهر حسب د. شحرور من زينة (أو جسد المرأة، فكله زينة).
أكرر: إلا ما ظهر منها، في الآية الكريمة، تعني حسب د. شحرور الرأس والبطن، والظهر، والرجلين، واليدين. هذا هو الحد الأدنى من اللباس المسموح به بالنسبة للمرأة حسب فقه د. شحرور.
ماذا عن الزينة غير الظاهرة؟ ماذا تعني عند د. شحرور؟
نكمل مع د. شحرور في قراءته العظيمة:
اقتباس
( وقسم من الزينة غير ظاهر بالخلق: أي أخفاه الله في بنية المرأة وتصميمها. هذا القسم المخفي هو الجيوب، والجيب جاء من “جيب”. كقولنا جبت القميص أي قورت جيبه وجيبته أي جعلت له جيباً، والجيب كما نعلم هو فتحة لها طبقتان لا طبقة واحدة، لأن الأساس في (جيباً) هو فعل (جوب) في اللسان العربي له أصل واحد.
وهي الخرق في الشيء، ومراجعة الكلام “السؤال والجواب” فالجيوب في المرأة لها طبقتان أو طبقتان مع خرق، وهي ما بين الثديين وتحت الثديين وتحت الإبطين والفرج والأليتين، هذه كلها جيوب، فهذه الجيوب يجب على المرأة المؤمنة أن تغطيها، لذا قال: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، والخمر جمع خمار، وهو الغطاء، والخمار سمي خمراً لأنها تغطي العقل، وليس الخمار غطاء الرأس فقط، وإنما أي غطاء للرأس وغير الرأس، لذا أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنات بتغطية الجيوب التي هي الزينة المخفية، ولم يسمح لهن بإبداء هذه الجيوب، لقوله: {ولا يبدين زينتهن} (النور 31)
انتهى الاقتباس. ص 606 -607.
يقول د. شحرور أن هناك زينة غير ظاهرة في جسد المرأة وهي التي أخفيت في جسد المرأة بسبب الطبيعة الجسدية نفسها أي أخفيت في جسد المرأة بسبب تضاريس معينة لها. أخفاه الله في بنية المرأة وتصميمها حسب تعبيره.
ماذا يعني هذا الكلام؟
هنا نأتي للفتح الشحروري العظيم. تفسيره لمعنى كلمة الجيوب. الجيوب هي الزينة غير الظاهرة. أي جيوب؟ يقول بثقة مرضية: ما بين الثديين، وتحت الثديين، وتحت الإبطين، والفرج والإليتين.
هذه كلها، حسب د. شحرور، جيوب، ينبغي على المرأة تغطيتها.
كيف توصل د. شحرور إلى هذا التعريف؟
يقول أن الجيب هو – كما نعلم!، وهو أسلوب يستخدمه لإيهامنا بأن ما يتحدث عنه بديهة- هو فتحة لها طبقتان لا طبقة واحدة. وهذا بحسب د. شحرور ينطبق على ما يلي:
ما بين الثديين.
وما تحتهما.
وما تحت الإبطين.
والفرج.
والإليتين.
شق، وطبقتان. حسب تعريف د. شحرور.
تشريحيا، التوصيف لا ينطبق بالضرورة على كل ما أشار له د. شحرور، ويبدو أنه وضع في ذهنه قياسات معينة للمرأة بحيث يمكن تطبيق التعريف عليها. لكننا نعرف طبعا أن هذا لا يخص كل النساء بكل اختلافاتهن الجسدية، هذا إذا سلمنا أصلا بأن وجود (شق) يمكن أن ينطبق على ما تحت الثديين وما بينهما وما تحت الإبطين.
لكن كيف وصل د. شحرور أصلا إلى أن الجيب هو هذه المواضع في جسد المرأة التي يجب أن تغطى حسب منطقه الذي لا علاقة له بالمنطق؟
لا نعرف. ولا هو يعرف. ولا أحد من البشر يمكنه معرفة ذلك.
الجيب حسب ابن فارس، اللغوي المفضل عند د. شحرور، في معجمه مقاييس اللغة، والذي يزعم انه يعتمد عليه: هو الشق في القميص. نقطة انتهى. أي الجيب كما نعرفه فعلا وليس كما يحاول الدكتور أنه معروف بداهة. لكن ضرورات القراءة المعاصرة حسب د. شحرور تبيح الانتقاء من ابن فارس على حسب ما يخدم هذا الانتقاء المخرجات المطلوبة. عدا ذلك فنحن ننتقل من الشق في القميص إلى الفرج والإليتين بمرونة.
تخيلوا أن الرجل يقول في مقدمته أنه يفهم القرآن كما يفهمه اللسان العربي، ثم يقول لنا إن الجيب هو الفرج! أي شخص أجنبي لو قرأ واقتنع أن الجيب يعني هذا، ثم ذهب ليطلع على أحوال الجاهلية، كان سيصدم لو استنتج أن نسوة العرب عندما ينحن على ميت كن يعمدن إلى شق الفتحات التي فيها طبقتان في أجسادهن.
***
هناك مقاطع أخرى تخص (غض البصر) والمحارم الذين يمكنهم رؤية الشقوق ذوات الطبقتين في جسد المرأة، وهي في الصفحات بين 605 و627، لكن نكتفي بهذا القدر من … (الكوميديا؟ الهراء؟ الهذر؟ العبث؟). اختر ما يناسبك.
****
بعد عقدين تقريبا من صدور الكتاب، قدم د. شحرور إضافة نوعية تخص موضوع المرأة، أو تحديدا العلاقة مع المرأة. وهي إضافة يمكن أن تعتبر تتويجا لمسيرته، ولعلها كانت متوقعة منذ البداية لكنه آثر أن يترك
فقد قال، مرارا وتكرارا بداية منذ عام 2000 والسنوات التالية، إن العلاقة الجنسية بين أي رجل وامرأة، طالما كانت رضائية، دون إكراه، ودون علن ( أي ليس على قارعة الطريق)، وطالما كانت هذه المرأة غير متزوجة، تعتبر علاقة حلال، وهي نوع من أنواع ملك اليمين التي عرفت في العصور التاريخية السابقة.
قبل ذلك، كان يقول، دون توضيح: إن زواج المسيار، وما يسمى بزواج (الفرند) هو صيغة معاصرة من صيغ ملك اليمين. ثم تطور مفهوم ملك اليمين عنده ليصير صيغة مطاطة لأي علاقة جنسية بين اثنين، مشروطة فقط بما سبق.
نقطتان يجب الوقوف عندهما هنا.
أولاً- أنه لم يفسر أبداً، ولم يقدم أي توضيح للكيفية التي جعل فيها من مفهوم ( ملك اليمين) مجرد علاقة جنسية طوعية دون أي توثيق اجتماعي لها، فملك اليمين، حتى لو افترضنا أن لا علاقة له بالرق كما يدعي و يصر، كان مفهوماً اجتماعياً يتضمن الثبات في العلاقة، ووجود قبول اجتماعي لها آنذاك هي المرادف للتوثيق الرسمي اليوم. وعندما كان يحدث تغيير في العلاقة، أو انتقال من طرف إلى آخر، فإن ذلك كان يتم عبر آليات التوثيق نفسها، وليس اعتماداً على انتفاء (الرضا) و(الطواعية) كما تشير قراءة د. شحرور.
ثانياً- إن لفظة ( زنا ) بحد ذاتها تملك من المعنى ما ينسف دعوى (اشتراط العلن) في الفعل لكي يكون ( زنا ) محرماً، أي إن اللفظة وحدها تنسف شرطً أساسياً من الشروط التي يفترضها صاحب القراءة المعاصرة التي تجعل الزنا تسافداً علنياً في الشارع، وعندها فقط تكون العلاقة محرمة -بزعمه- أما إذا كانت سرية وغير معلنة- أي إذا تدبر الطرفان أمر إخفائها! – وطوعية فإنها بحسب صاحب القراءة نفسها تكون علاقة “ملك يمين” أي إنها تكون حلالاً! بينما لفظ الزنا في لسان العرب يدور حول معنى الضيق.
ما الذي يوحيه لفظ الزنا إذن عندما يرتبط بأصله في لسان العرب؟ إنه يوحي- بالإضافة إلى صورة التدافع والضيق الذي يحتمه الفعل نفسه- أن فعل الزنا يحدث في مكان ضيق، والضيق هنا مكان يختبأ فيه من يريد أن يزني بعيداً عن أعين الناس – وهو ما يحدث فعلا عند أغلب مرتكبي الزنا. يريدون مكانا خاصا لممارسة ذلك.
أطرف ما في الأمر أن صاحب القراءة المعاصرة يقول بمنتهى الجد أنه إنما وجد هذا المعنى المعاصر لملك اليمين دفاعاً عن القرآن الكريم!
كيف؟ يقول: إن المعنى السائد لملك اليمين يوحي أن في القرآن نصوصاً تاريخية قد انتهى مفعولها، وهو ما يرفضه صاحب القراءة المعاصرة فصاحب القراءة المعاصرة يقول: إن ملك اليمين مستمر. وهو يحلل الزنا من أجل أن يثبت ذلك تحت شعار: أن القرآن صالح لكل زمان ومكان. نحلل الحرام كي نقول أن القرآن صالح لكل زمان ومكان. نجحت العملية، ولكن ماتت الأم والجنين.
المعضلة التي واجهت د. شحرور في موضوع تحويل ملك اليمين ليكون علاقة زنا طوعية وعابرة، تتمثل في أن (المرأة) التي تؤمن بمبادئ الحرية الجنسية مثلاً – لا ترضى في الوقت نفسه أن تكون “ملك يمين” لرجل.. إنها تؤمن بنديتها ومساواتها ولن ترضى بأن تكون جارية من جديد، كيف إذن يرجعها د. شحرور إلى سوق النخاسة؟ (هذا لم يكن في ذهنه أول مرة، فنظرته للمرأة منذ البداية لم تكن تكرمها كما يدعي، بل كان يعتبرها ” كلها زينة”، واحتاجها والله أعلم للتسويق لأفكاره).
الحل لهذه المعضلة قدمه د. شحرور ويتمثل في أن الرجل أيضاً يكون “ملك يمين” للمرأة التي تكون ملك يمين له في أثناء ممارسة الجنس الطوعي، سواء كان ذلك لمرة واحدة أم لعدة مرات، في غرفة في فندق ، أو على المقعد الخلفي للسيارة.. لا فرق بين ذلك كله وبين الحلال، ولا فرق بين الرجل والمرأة، فكلاهما ملك يمين للآخر.. وكل ما هو سخيف سيكون مقبولاً ما دام الهدف هو ما نعرفه الآن جيدا.
تبقى مشكلة واحدة، وهي أن رجلاً واحداً يمكنه أن يمارس الجنس مع ما لا يعد ولا يحصى من النساء، حتى لو كان متزوجاً، أما المرأة المتزوجة فعليها أن تقنع بزوجها فقط. أي ظلم.
هذا ما لم يستطع د. شحرور حله. ولعله لو بقي حيا لتمكن من إيجاد الحل وقدم قراءة تبيح للمرأة أن تملك ما شاءت من اليمين على زوجها.
لكن الله قدر ولطف.
يتبع
شحروريات 10 والأخيرة: لماذا هناك شحارير؟
إن قال لك رجل أنه سيحكم العالم من قبره، ففي أغلب الظن ستعتقد أن الرجل ليس بخير من الناحية العقلية.
رد الفعل هذا سيكون بغض النظر عن وجود أي منجز للرجل. لا أحد (عاقل) يتحدث عن نفسه هكذا، على الأقل لا أحد يتحدث هكذا علنا.
د. شحرور قال هذا في لقاء مع العربية نت عام 2008.
شخصيا، مقولته هذه، إضافة إلى أشياء كثيرة كتبها وقالها وحتى طريقته في قولها، كلها تصب عندي وعندي كثيرين لترسيخ نفس الانطباع عن حالته العقلية.
هل يكفي كل هذا للحكم على حالة د. شحرور العقلية؟
بالتأكيد لا. الحكم شيء والانطباع شيء آخر. لكن لا يمكن لنا التحكم بانطباعاتنا لأنها جزء من نمط تفكيرنا السريع الذي يربط بين الظواهر والأنماط التي يراها في حياته اليومية. التخلي عن تكوين الانطباعات أمر يعني إلغاء جزء منهم من عملية التفكير.
عموما هذا الانطباع لا يخصني وحدي، بل هو مما اشترك به العشرات وبعضهم رأى الرجل مباشرة وتعامل معه. هناك اعتبارات كثيرة منعت الكثيرين من التصريح بهذا الشيء. لست بصدد الوقوف عندها بأي حال من الأحوال. لكن سياق تفكيك الظاهرة الشحرورية يحتم علينا أن نقول ما كان يتردد في الأذهان منذ البداية، مع التشديد أنه مجرد انطباع.
الانطباع الآخر الذي لدي عن الرجل، وهو ليس مستقلا تماما عن الانطباع الأول هو أنه يصدق تماما ما يقول. هل صدقه هذا يمنح ما يقول قيمة؟ إطلاقا. أعرف أشخاصا كانوا يصدقون بما يقولون تماما وأنا أعرف تماما أن ما يتحدثون عنه لم يحدث. لكنهم ببساطة خلطوا بين الخيال في أذهانهم والواقع على نحو جعلهم يصدقون خيالهم. لا أفهم صدق د. شحرور إلا بهذه الطريقة. إنه يصدق بكل ما يقول من أشياء لا تصدق تتراوح أحيانا بين الهراء والكوميديا، لأنه غالبا فقد القدرة على محاكمة ما يقول عقليا.
وعندما أتحدث عن إيمانه بما يقول، فأني أشير إلى أن الرجل، مهما كان رأيي في نتاجه سيئا، لم يكن له علاقةـ في البداية على الأقل، لا بدعم غربي، ولا بمخططات غربية، ولا بمؤسسة راند وأخواتها، ولا شيء من كل هذا على الإطلاق. بقي الرجل لسنوات هو وكتابه في دمشق شبه منبوذ، مع استثناءات محدودة طبعا، لكنها محلية بطبيعتها.
عندما صدر تقرير راند الشهير عن بناء الشبكات المسلمة المعتدلة، عام 2007، والذي ذكر فيه شحرور بالاسم كمثال على نموذج (مسلم) تقترح المؤسسة دعمه، كان شحرور قد أصدر أربعا من مؤلفاته. وكان قد مضى على صدور أول كتبه أكثر من عقد ونصف. أي أنه لم يكتب بناء على أي شكل من أشكال الدعم الغربي. لكن الدعم الغربي جاء بالفعل لاحقا. في السنوات التالية، لم يكن سرا أن د. محمد شحرور تلقى دعما كبيرا للترويج له من خلال الإعلام ومن خلال المراكز البحثية. لكن أي حديث عن هذا الدعم يجب أن يذكر بهذا التسلسل. د. شحرور لم يكن صنيعة دعم غربي. شهرته ربما استفادت من هذا. لكن الدعم الغربي لم يأت إلا بعد أن كان الرجل قد أنتج مقولاته الرئيسية. زادت وتيرة الإنتاج بلا شك، خاصة بعد أن لم يصدر له شيء بين السنوات 2000 و2008، ثم جاء الكتاب الأول بعد تقرير راند ليكون تحت عنوان ( تجفيف منابع الإرهاب) ” مناسبا” للمرحلة الجديدة. لكن مرة أخرى، الدعم حدث، ولكنه لم يصنع. هناك فرق. والرجل ربما توافق مع ما بعض ما تريده المراكز الغربية لكنه لم يكن بوقا مأجورا أبدا. كان مؤمنا بما يقول.
حسنا، إذا كان انطباعنا عن د. شحرور صحيحا، فلماذا أصبح هناك شحارير؟ لماذا هناك أشخاص يبدو أنهم اقتنعوا بما يقول رغم أن ما يقوله بعيد تماما عن التماسك ولا يمكن أن يصمد لأبسط نقد منهجي؟
هذا هو السؤال الأهم. وهو سؤال ضل يتردد في التعليقات على المقالات السابقة، تعليقات مستغربة من وجود عدد كبير من المدافعين عن نتاج د. شحرور ومستفزين جدا من النقد الموجه لأفكاره.
الجواب عن هذا السؤال يساعدنا في فهم وتفكيك الظاهرة الشحرورية.
بالتأكيد من السهل الادعاء أن هناك لجان الكتروني وذباب مأجور، وهذا قد يحدث وحدث فعلا مع بعض المقالات حيث وضع مجموعة من الأخوة الهنود والصينيين علامة ( أغضبني)، لكني واثق تماما أن أغلب التعليقات الغاضبة كانت من أشخاص حقيقيين، أعرف بعضهم ومن الطبيعي أن يتنادوا فيما بينهم للدفاع عما يؤمنون به.
لماذا إذن؟
هناك عدة عوامل تساهم في هذا، بنسب متفاوتة طبعا بحسب كل شحروري وظروفه.
أولا: الإحباط من المؤسسة الدينية التقليدية: هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. المؤسسة الدينية مسؤولة بشكل مباشر وغير مباشر عن شيوع الظاهرة الشحرورية، مباشر لأنها – في سوداها الأعظم- عجزت عن التفاعل بشكل منهجي مع الكثير من التحديات التي تواجه واقع الشباب العربي المسلم. وغير مباشر لأنها أصبحت بالتدريج الحائط الأقل ارتفاعا ضمن مؤسسات الأمر الواقع في بلداننا العربية. انتقادها أسهل وأقل خطرا من انتقاد الحكومات والأنظمة الاستبدادية الفاشلة. لذا يمكن لكل عابر سبيل أن يصب جام غضبه عليها دون أن يخاف من زوار الفجر الذين سيأخذونه في رحلة إلى سويسرا أو وراء الشمس أو بيت الخالة ( وكلها كلمات مشفرة تعني المعتقل في بلداننا العربية). والمؤسسة الدينية التقليدية شريكة في الوصول إلى القاع الذي وصلنا إليه، لكن ذلك نتاج تراكمي لقرون طويلة، ولا يمكن تحميل المؤسسة الدينية المعاصرة، أو أي من رجالاتها ورموزها عبء كل هذا النتاج.
جزء من الإحباط تجاه المؤسسة ولومها على كل شيء ينبع من تضخيم ذهني ساذج لقدرتها على الإصلاح. الصورة الذهنية لقدرات المؤسسة مبالغة جدا، والواقع متشابك جدا وشديد التعقيد، ودور المؤسسة أصبح (شرفيا) أكثر منه دورا فاعلا مشاركا في التأثير.
إضافة إلى أن الكثيرين من الناس يأخذون المؤسسة الدينية بجريرة بعض الأسماء فيها. هناك رجل دين لزج وواضح أنه يبيع بضاعته ويظهر على وسائل الإعلام. وهناك مائة رجل دين لا يفعلون ذلك ولذلك لا نراهم. ولكن ( التحيز السلبي) الذي هو طبيعة نفسية عند البشر سيعمم سلبية رجل دين واحد على كل رجال الدين. وهذا مجرد مثال، فهناك رجل الدين الطبّال للسلطة المنافق لها، وهناك رجل دين على العالم ينغص على العالم تنفسها، وآخر يحرض على الدم وآخر يصفق للظلم. إلى آخره. وكلها نماذج موجودة بالفعل وتنال نصيبها من الاهتمام والتفاعل الجماهيري والمشاعر السلبية تجاهها مبررة ومفهومة. لكن مع كل ما سبق من إحباط تجاه المؤسسة، يختلط هذا مع التحيز السلبي لينتج موقفا من كل رجال الدين بالعموم والإطلاق. كلهم منافقون. كلهم متسلقون. كلهم تجار دين. كلهم إرهابيون، إلى آخر الاستسهال المتحيز.
هذا الموقف العام من المؤسسة الدينية، ويمكنني القول أيضا من الدين الذي يمثله رجال الدين والمؤسسة الدينية، سهل إلى حد كبير وجود تقبل عند البعض لشحرور، ليس إيمانا أو تصديقا أو حتى إطلاعا على ما يقول، بل كنوع من العقوبة للمؤسسة الدينية التقليدية بكل ما تمثله في أذهان هؤلاء. شحرور اكتسب رصيده عند قسم كبير من مريديه لا من مقولاته ولا نظريته ولا أي كتاب من كتبه. بل لأنه ببساطة خارج تماما عن المؤسسة الدينية التقليدية. حتى لو كان أسوأ منها. لا بأس. المهم أنه ليس من المؤسسة. حالة تشبه حالات التصويت العقابي التي تحدث في الدول التي فيها انتخابات والعياذ بالله. الناس تنتخب المعارضة لا لأن مشروعها أفضل، بل لأنها تريد أن تعاقب الحكومة. شيء كهذا حدث مع شحرور. الكثير من المعلقين المؤيدين لشحرور مستغربين مما نقلته عنه ويتهمونني بالكذب عليه. لم يقرؤوا كتبه؟ طبيعي، من يقرأ أصلا هذه الأيام، لكن لم يروا مقاطعه ولقاءاته أيضا؟ لم يركزوا ربما. المهم أنه ضد رجال الدين وفقهاء الحيض والنفاس وتطويل اللحى. حتى لو سألتهم متى آخر سمعت شيخا يتحدث عن الحيض والنفاس وتطويل اللحى واكتشفت أن ذلك لم يحدث أصلا، لكن التسمية تروق لهم وتبين موقفهم من رجال الدين بربطة المعلم.
كشخص لدي مواقفي من المؤسسة، أجد أن ما فعله د. شحرور يصب لا لصالح أسوأ نسخ المؤسسة الدينية وأكثرها جمودا. المروجون لشحرور والداعمون لشحرور قدموه على أنه التجديد البديل للمؤسسة. والحقيقة أن هذه أكبر سبة وإهانة يمكن أن توجه للفظ التجديد بشكل عام، ولأي تيار تجديدي من أيام محمد عبده حتى اليوم. جاء شحرور وقضى عليه وانتهى كل شيء. إذا كان هذا الهراء والعبث تجديدا فكل من يملك ذرة منطق من دعاة التجديد سيفضل المؤسسة وفصولها وحتى كتاتيبها على ما قدمه شحرور. البناء الفقهي التقليدي فيه مشاكل بلا شك. مشاكل يعترف بها أشخاص من رموز المؤسسة وأعلامها، لكن الأمر الذي فعله شحرور كان يشبه أن تذهب إلى بناء قديم، فيه مشاكل كأي بناء قديم، هناك سقف متهالك يحتاج إلى تدعيم، وهنا يوجد تسريب للمياه تحتاج إلى إصلاح، وهنا توجد حاجة إلى أعمدة داعمة، جاء شحرور وقرر أن ينسف كل شيء. البناء ليس صالحا للسكن. طيب هل أعددت شيئا بديلا للسكان؟ خيم؟ مساكن جاهزة؟ أي شيء؟ طبعا لا. ننسف فقط ما بناه الشافعي وبعدها يحلها حلال (بالمناسبة د. شحرور كلما جاءت سيرة الإمام الشافعي يتحدث بنبرة مختلفة كما لو كان بينهما خلاف على الإرث).
أسوأ ما فعله د. شحرور هو أنه لصق اسمه بالتجديد فتحول التجديد إلى تهمة. من الصعب جدا تنظيف سمعة التجديد بعد أن أسس شحرور فقه الهبد وتعامل كثيرون مع هذا الفقه باعتباره تجديدا.
بعض القراء يضعون كل من وقف مع التجديد في خانة واحدة. كتبوا لي فزعين: حتى أنت يا بروتوس تهاجم شحرور؟ لقد وقفنا معك أيام معركة نظرية التطور ولم نتوقع منك هذا!
نعم حتى أنا يا يوليوس. وهذه ليست مباراة يذكر فيها مشجعو برشلونة مشجعي الريال بالذي مضى من وقفات ضد فريق منافس ثالث. هذه مواقف فكرية. أن أكون ضد دعاة داعش بمختلف تطبيقاتهم لا يعني أن أكون مع شحرور. مطلقا. بل على العكس، ما يقدمه شحرور من فلتان وفوضى، يساهم في جعل داعش وأخواتها أكثر جاذبية في عيون بعض من يحتاجون إلى فحص لأبصارهم. أما أتباع شحرور فيحتاجون إلى فحوصات أخرى.
وعلى الهامش، أؤمن شخصيا أن التجديد الحقيقي المنشود والذي سيمتلك القبول سيأتي من داخل المؤسسة، لا من مهندس مدني ولا من طبيب أسنان، ولا من أي أحد خارج المؤسسة، مع الاحترام للجميع.
ثانيا- الرغبة في التفلت من الأحكام الشرعية مع فتوى مريحة للضمير. مع الأسف، قد يبدو هذا دخولا في النيات، لكن هناك درجة معينة تتحول فيها تقوى (عدم الدخول في النية) إلى سذاجة، إذا كان بعض المعنيين أنفسهم يقولون ذلك بصراحة، أنهم يتبعون شحرور لأنهم أزاح عنهم شعور تأنيب الضمير الذي كان يلازمهم تجاه هذه المعصية أو تلك. شحرور قدم لهم الحل السحري الذي يقنع الضمير أن يخرس لأن هذا الشيء ليس حراما أصلا. الموقف يشبه ما يقال في اللهجة العراقية: خليها براس عالم واطلع منها سالم. أي اجعل ذنبك برقبة من أفتى لك.
شخصيا أعتقد أن جريمة شحرور الأكبر هي هذه. حلل الحرام وقدم شتى الحيل اللفظية لإقناع الناس بالأمر. أنا ممن يؤمنون بالمسؤولية الشخصية عن كل فعل شخصي. وبالتالي أؤمن بحدود مرتفعة للحرية الشخصية. ولا أعتقد أن مجتمعات المنع المقنن تنتج بشرا أفاضل، لكن هذا كله لا علاقة له بتحليل الحرام الذي اقترفه شحرور. مع وجود الحلال والحرام في الضمير الشخصي يكون هناك مساحة للصراع داخل الإرادة وضمن معادلة التوبة. ربما يفوز الضمير وربما يخسر، وربما يخسر ثم ينتصر، وربما يبقى هكذا في البين بين، لكن هذا كله مرتهن بقدرته وإيمانه بأن الفعل الذي يمارسه حرام. شحرور بالنسبة لهؤلاء أصاب معادلة توبتهم مقتل. مع الأسف.
بالنسبة لهؤلاء، نمط حياتهم كان معكرا بتقريع الضمير المزمن. وكان شحرور شرا أهون وأقل ضررا من الإلحاد. من الصعب القول بعكس ذلك بكل الأحوال. لكن هل هم مقتنعون فعلا بأن شحرور على صواب أم أنه مجرد عذر يسكتون به ضمائرهم قبل النوم؟ من الصعب أن تصل إلى جواب حقيقي معهم. الأنا جاهزة لتدافع بشراسة عن الخيار الذي أوصلها إلى هنا. والأنا عامل مهم من عوامل كل الظاهرة.
ثالثا- الأنا التي تريد التميز، التعالي، الشعور بأنهم أفضل من العامة: يعاني أغلب أتباع شحرور من هذا، الشعور أنهم أفضل من عامة الناس وأن كل الناس جهلة وأوباش ويصدقون بالخرافات، بينما هم يسمعون لصوت العقل الراقي. الشعور بعلو مكانتهم يجعلهم غالبا يصطدمون بمن حولهم ممن سيزعجهم هذا التعالي في التعامل ويردون عليه بما يستحق، مما يزيد من صعوبة التعامل الصعب أصلا. كل هذا موجود عند هؤلاء قبل أن يسمعوا بشحرور، لكن عندما يعثرون عليه يعثرون على ما يمكن أن يستندوا عليه لتفسير تعاليهم. شيوخكم جهلة خريجو معاهد شرعية وشيخي معه دكتوراه هندسة مدنية. شيوخكم شيوخ حيض ونفاس ولحى، وشيخنا يتحدث عن الصيرورة والسيرورة والإنزال والتنزيل، والحد الأعلى والأدنى وكذبة الترادف. صحيح أننا لا نفهم كثيرا مما يقول، ولكن لا بأس. المهم أنه أعلى وأرقى ونحن أفضل منكم. كل نقدكم له ليس سوى Ad Hominem. وهذه الكلمة تعني مغالطة الشخصنة يا جهلة. نقولها باللاتينية لأننا أرقى منكم. حتى لو انتقدتم كتاب د. شحرور حرفاً حرفاً ورددتم عليه كل فقرة بكتاب سنقول لكم هذه Ad Hominem، أين النقد الموضوعي، وسنبقى نسميه العلامة المجدد حامل مشعل التنوير الذي حرك المياه الراكدة ما دام ليس من شيوخ الحيض والنفاس.
***
المدافعون عن د. شحرور في أحيان كثيرة يثبتون أنهم لا يعرفون شيئا عما كتبه. يدافعون عنه باستخدام أحاديث لا يؤمن هو بمرجعيتها بالمطلق. يشبه الأمر أن يموت ريتشارد داوكنز فيقوم أتباعه بإقامة قداس له في كنيسة كان ضدها طيلة حياته. لا أقول أن شحرور مثل داوكنز، علما أن الأخير ككاتب أفضل بكثير من د. شحرور، لكنه مجرد تشبيه. يقولون اجتهد وأخطأ وله أجر، علما أن الحديث المذكور يتحدث عن القاضي الذي يقلب قضية من كل وجوهها ثم يجتهد في الحكم، وليس في كل من هب ودب وقرر أن يجتهد كيفما شاء.
نفس الموقف حدث حتى مع شاهدة قبره. إذ كتب أحدهم آية لا أريد ذكرها في المقال ويمكن لمن شاء أن ينزل صورة الشاهدة مع الآية الكاملة. القائمون على جنازته كانوا مثله بالضبط: لا يفقهون شيئا فيما يتحدثون عنه، ويأخذون القرآن عضين، أي يجتزؤون بعضه عن بعض، كما فعل هو بالضبط.
****
سيقول أحدهم: لكن بعض ما يقوله صواب!
وبعض ما تقوله داعش صواب. وكذلك هرتزل. وهتلر. كل من يريدون قتلك وإبادتك لديهم جمل صحيحة. لا يوجد أي أحد كل كلامه خاطئ. هذا ضد المنطق.
الفكرة هي في المنهج. في صواب هذا المنهج وصلاحه أو فساده.
لا يوجد بشر لا يخطئ. لكن أن يكون المنهج نفسه قائما على خطأ، فهذا شأن مختلف لا علاقة له ببشرية الخطأ. بل بخطأ المنهج.
***
سأختم سلسلة مقالاتي هذه بجملة جادة قالها د. شحرور في واحدة من محاضراته.
قال أن المسلمين في العصر العباسي تعرفوا على الحضارات الأخرى وتعرفوا على ترجمة الأناجيل، واكتشفوا أن المسيحيين كانوا يسمون السيد المسيح (الرب) ويقولون عن أقواله: قال الرب.
فقرروا أن مكانة النبي (أو الرسول، فهما مختلفان عند د. شحرور) لا يجب أن تكون أقل من السيد المسيح. وهنا جاءت فكرة تقديس الحديث النبوي.
العصر العباسي؟ تعرفوا على الأناجيل؟ شعروا بالغيرة؟
هل أنت جاد يا دكتور؟
يمكن أن نرجع إلى بداية المقال.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

